حين أمطرت السماء كرماً في المساعدية
ضيافة الشيخ عوض بن علي آل مساعد… يومٌ سطّره المطر والكرم في ذاكرة المكان
في عصر الجمعة الأولى من شهر ربيع الأول لعام 1448هـ، الموافق 14/8/2026م، وعند الخامسة مساءً، كان الموعد في المساعدية بسبت العلاية، مع ضيافة كريمة أقامها الشيخ عوض بن علي آل مساعد، شيخ شمل آل مشيب بسبت العلاية ، لقبائل الحريضة والشيخ سعد بن مكعس الشهراني.
ولم يكن ذلك مجرد موعدٍ للقاء، بل كان موعداً للجمال مع الجمال، وللكرم مع الوفاء، وللسحاب مع أرضٍ تعرف كيف تستقبل ضيوفها.
هناك، بدت السماء وكأنها أول المرحّبين؛ أقبلت بسحبها، وأرسلت مطرها تحيةً ندية، وغسلت وجه الأرض، وفاح شذى المكان، وكأن الطبيعة كلها تتهيأ لتشارك الشيخ عوض وجماعته فرحة استقبال ضيوفهم.
رحّبت السماء بالمطر، ورحّبت الأرض بالعطر، ورحّب الشيخ عوض بالبِشر، ورحّبت جماعته بقلوبٍ سبقت أكفّها إلى السلام.
كان الشيخ عوض في صدر المشهد، يستقبل ضيوفه بوجهٍ طلق ونفسٍ كريمة، وحوله جماعته ورجال آل مشيب، يترجمون بأفعالهم معنى الوفاء وحسن الوفادة؛ فما كان الترحيب كلماتٍ تُقال، ولا عباراتٍ عابرة، بل كان مشهداً متكاملًا من الحفاوة والمحبة والتقدير، وصورةً من صور الكرم الذي توارثته هذه الديار جيلًا بعد جيل.
وازدان ذلك العصر بحضور نخبة من الرموز والوجهاء من منطقة عسير وشهران، يتقدمهم الشيخ سعد بن مكعس الشهراني، والرمز إبراهيم بن علي المخلوطي، والرمز علي محمد آل سعد، والرمز عبدالله بن حزمي القرني، والرمز عبدالرحمن سعيد آل مجمل، إلى جانب أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة، وجمعٍ غفير من أهالي بلقرن وغامد وبني عمرو؛ رجالٌ جمعهم التقدير، وألّفت بينهم المودة، وأظلّتهم سماء واحدة وهي تمطر خيراً وبركة.
يا لجمال ذلك العصر!
عصرُ جمعة، ومطرُ ربيع، وضيافةُ كريم، وضيوفٌ أعزاء، ووجوهٌ يعلوها السرور، وقلوبٌ اجتمعت على المحبة.
كانت قطرات المطر تنساب على المساعدية وكأنها أبيات قصيدة تكتبها السماء، وكانت الأرض والجبال من حولها تصغي إلى المشهد في صمتٍ مهيب، فيما تتعالى عبارات الترحيب، وتفوح رائحة القهوة، ويكتمل المشهد بأصالة الرجال وكرم المكان.
ثم جاء المشهد الذي سيظل، بالنسبة لي، من أروع المشاهد التي مرّت بي في حياتي؛ حين قُدِّم اللَّطف في ساحة المساعدية تحت زخات المطر.
هناك، اختلط المطر بالعسل والسمن والبُرّ واللحم والمرق، واجتمعت خيرات الأرض مع قطرات السماء على مائدة ربيعية لا تُنسى؛ بخار الطعام يصعد دافئاً، والمطر ينزل بارداً، ورائحة البُرّ والسمن تعبق في المكان، والعسل يضفي على المشهد حلاوةً فوق حلاوته، والوجوه من حول المائدة يكسوها الفرح والأنس.
كانت السماء تسقي، والأرض تفوح، والمضيف يكرم، والضيوف يتذوقون لحظةً تجاوز جمالها مذاق الطعام إلى مذاق المكان والزمان والرفقة والكرم.
وما زلت أقول: لم يكن ذلك طعاماً فحسب، بل كان طعمَ عصرٍ كامل؛ طعم المطر حين امتزج بكرم الرجال، وطعم ربيع الأول في ساحة المساعدية، وطعم الصحبة حين تجمعها المحبة، وطعم ذكرى ستبقى في القلب ما بقيت الذاكرة.
طعمٌ لا أظنه سيتكرر؛ لأن بعض الموائد ينتهي أثرها بانتهاء مذاقها، أما تلك المائدة فقد بقي مذاقها ذكرى… والذكرى الجميلة لا تزول.
ويا لها من صورة ستبقى عالقةً في الوجدان:
مطرٌ من السماء، وخيرٌ من الأرض، وكرمٌ من الرجال… وفي ساحة المساعدية اجتمعت الثلاثة، فصنعت مشهدًا من الجمال لا يتكرر.
ولم تكن تلك الضيافة مائدةً ولقاءً فحسب؛ بل كانت صورةً صادقة لأصالة مجتمعنا وعمق روابط المحبة والتواصل بين رجاله؛ حيث تلاقت الرموز والوجوه الكريمة تحت سقف الوفاء، واجتمعت القلوب قبل أن تجتمع المجالس، والتقت القبائل على ما عُرفت به هذه البلاد من مودةٍ وتآلفٍ وتواصل.
وفي ساعة من ساعات الجمعة المباركة، حيث تُرجى الإجابة، ارتفعت الدعوات من القلوب قبل الألسن:
اللهم بارك في هذا الجمع، وبارك في مضيفه الشيخ عوض بن علي آل مساعد، وفي أهله وجماعته، واجزهم عن ضيوفهم خير الجزاء، وأدم بين أهلنا وقبائلنا المحبة والمودة وصفاء القلوب، واحفظ بلادنا وقيادتنا، وأدم عليها نعمة الأمن والرخاء والاستقرار.
لقد كانت المساعدية في ذلك العصر لوحةً فوق الخيال؛ رسمت السماء أعلاها بالسحاب، وزيّنتها بالمطر، وفرشت الأرض بساطها النديّ، ثم وضع الشيخ عوض وجماعته في قلب اللوحة أجمل ما فيها: كرم الرجال، وصدق الترحيب، ونبل الوفاء.
ستمضي الساعات، ويتوقف المطر، ويغادر الضيوف، وتجف الأرض بعد بللها؛ ولكن بعض الأيام لا تغادر الذاكرة.
وسيظل عصر الجمعة الأولى من ربيع الأول لعام 1448هـ، يوم ضيافة الشيخ عوض بن علي آل مساعد، شيخ شمل آل مشيب بسبت العلاية ، لقبائل الحريضة والشيخ سعد بن مكعس الشهراني، صفحةً جميلة تستحق أن تُحفظ للتاريخ، ويُقال عنها كلما ذُكرت:
هنا رحّبت السماء، وهنا ابتسمت الأرض، وهنا أكرم الشيخ عوض ضيوفه، وهنا اجتمع الرجال على المحبة؛ فكان ربيع المكان ربيعاً في القلوب قبل أن يكون ربيعاً في الزمان.
حفظ الله الشيخ عوض بن علي آل مساعد، وبارك في عمره وأهله وجماعته، وجزاه خير الجزاء على ما جسّدته ضيافته من أصالة الكرم وحسن الوفادة ونبل الاستقبال، وحفظ ضيوفه الكرام، وأدام بين أهلنا وقبائلنا المحبة والوفاء، وأدام على ديارنا أمطار الخير، وعلى أهلها نعمة الأمن والألفة والرخاء.
وختام القول: كانت ذكرى تُحفظ… ومشهدًا يُروى… ويوماً سطّره المطر والكرم في ذاكرة المكان والتاريخ.









