عَونُ آلُ شَليْل
كتبه : أبو مشاري
أسْمَعُ كثيرًا عن المواقفِ التي تسيطر على المشاعرِ فتجعل صاحبها أسيرَ تلك اللحظات وتحت رحمة تلك المواقف بعد رحمة الله ..
لكنني لم أتصوَّر أن أكون أحد المأسورين يومًا ما لتلك اللحظات ، فأنا أرى في نفسي ذلك الجَسور المتحكِّم في ذاته الموجِّه لمشاعرَه كيف وأين ومتى يشاء ..
غير أنني في لحظةٍ معينةٍ أكتشفت أن ذلك الإستقواء المفتعَل أو حتى الطبيعي لم يكن سوى سَرابٌ بِقيعَةٍ يحسبه الظمآنُ ماءً كنت أُحَدِّث به نفسي في ساعةٍ من رِضا ، فقد وجدتني اليومَ وقد أُرْتِجَ عَليّ وضاعت مني الكلمات وتناثر مني الثبات فلم أعد ألوي على شيءٍ سوى ذلك الجسد المترنِّح الذي اكتنفه الزَيف من كل جانب ..
كنت في زيارةٍ لصديقي بل أخي الذي لم تلده أمي العميد طيار عون آل شليل وهو يتعافى بمشيئة الله على السرير الأبيض بأحد مشافي جدة ..
ومَنْ هو عون آل شليل الذي تتمازج في حضرته المشاعرُ كلها ، وتُستحضَر عند رؤيته المكارمُ كلُّها .؟!!
نعم .. من هو الذي كسَر قاعدة القوة والثبات وأستبدلها بألوانٍ من المشاعر التي تتغلب على الأجساد وتحتل الأفئدة ؟!
إنه عون الذي عرفته منذ حوالي ثلاث سنوات ، وتنامت صداقتُنا بفضل الله ثم بفضل شخصه الكريم ، لكن الثلاث تلك أكاد أجزم أنها تعادل ثلاثةَ عقودٍ في رصيدها من الود والقُرب .
صادَقتُ رجالًا لعقود ، ( وتزامَلت ) مع آخرين وعِشتُ مع غيرهم ، ولكن لا أبالغ حين أصف هذا الرجل من بينهم بالمتفرِّد ، فقد انفرد بالإيثار ، وأشتهر بالكرم ، كرم النفس وكرم الكف ، وعُرِف بإسعاد كل من يرافقه ، له أدبٌ جَمٌّ ، وعِطر لسان ، وهدوء حال ، يؤثِر غيرَه على نفسه ولو كان به خَصاصَة ، يصل الرحم والصديق ، ويُطعم البائس الفقير ، وتجده في المكان أخف من نسمة الهواء ، مثقفٌ من الطراز الأول ، وغير ذلك مما لا يمكن حصره في سطور ، إذًا فهو يحتل مشاعر وقلوب الناس بتلك المناقب إحتلالًا ناعمًا يأسر القلوبَ والألباب .
كنت في زيارته ، في وقتٍ لم أكن أود أن أراه في ذلك المكان ، فعندما يراه الزائر فهو يستحضر شريط ذلك الرجل في ثوانٍ فلا يكاد يستقر له حال ولا يهدأُ له بال ..
ولكن ما يخفف على المرء حينئذٍ هو أنه يرى أبا عبدالملك يذهب هو بحالٍ عكسيٍّ للتخفيف على الزائر بدرر الكلام وتبيان التعافي الذي أقترب من تمامه بإذن الكريم ..
أتوق وغيري من أحبة أبي عبدالملك لعودة اللقاءات ولحظات السرور ، فكأني أرى ذلك قريبًا رؤيا العين .
اللهم أتمم الشفاء شفاءً لا يغادر سَقَمًا لأبي عبدالملك ، وأن تجمع له بين الأجر والعافية وأن تحفظه ذُخرًا لأهله ومحبيه .
عَونٌ إذا ذُكِرَ الوَفاءُ رأيتُهُ ..
عَلَمًا وتعرفُ فضلَهُ الأقوامُ
حُرٌّ أصيلٌ لا يُبدِّلُ عهدَهُ ..
مهما تبدَّلتِ الصغارُ جِسامُ
إنْ ضاقَ دَربُ الصاحبَينِ رأيتَهُ ..
عونٌ به بعدَ العَناءِ قِوامُ
ما زانَهُ قولُ المديحِ وإنّما ..
زانتْهُ أفعالٌ لها إكرامُ
يمضي على نهجِ المروءةِ ثابتًا ..
وبمثلِ نهجِ الأوفياءِ يُرامُ
يا ربُّ ألبِسْ عونَ ثوبَ سَلامَةٍ ..
تُمحَى بها الأوجاعُ والأسقامُ
واشفِ الكريمَ شفاءَ صِدقٍ عاجلًا ..
وتعودُ تضحَكُ حولَهُ الأيامُ
دمتم محبوبين .

