آهٍ يا قلبي… ماذا وجدتُ فيك؟
آهٍ يا قلبي… ماذا وجدتُ فيك؟
الثلاثاء 26 ربيع الأول 1448 هـ
الموافق 8 سبتمبر 2026 م
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تمرّ به فحسب، بل تمرّ فيه؛ تعيد ترتيب أعماقه، وتغيّر نظرته إلى الحياة، وتجعله يرى الأشياء التي كانت أمامه دائماً، لكنه لم يكن يراها بهذا الوضوح.
وفي هذا التاريخ، مررتُ بأزمة قلبية كانت من أصعب تجارب حياتي وأقساها.
لحظاتٌ أدركت فيها أن المسافة بين الإنسان وبين الرحيل قد تكون أقصر مما يتخيّل، وأن القلب الذي نحمله في صدورنا بصمت، ونمضي به في زحام الحياة، قد يوقظنا فجأة ليقول لنا:
تمهّلوا… فالعمر أقصر من أن يُهدر، والحياة أثمن من أن تُعاش غافلين.
كانت تجربة قاسية ومريرة، ولكن الله جلّ جلاله أحاطني بلطفه، وتداركني برحمته، وشملني بعفوه وقدرته، فله الحمد أولًا وآخراً، ظاهراً وباطناً، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وحمداً لا ينقطع ما دام في الصدر قلب ينبض.
خرجتُ من تلك الأزمة وأنا لستُ الشخص نفسه الذي دخلها.
فقد تعلمت أن الإنسان لا ينبغي له أن ينتظر أزمةً في قلبه حتى يفتّش في قلبه.
فتّشوا في قلوبكم وأنتم بخير.
اسبروا أعماقها قبل أن يأتي يوم تضيق فيه الأنفاس، واسألوا أنفسكم: ماذا يسكن هذا القلب؟ ومن يسكنه؟ وكم تركنا فيه من حب؟ وكم أبقينا فيه من مساحة للتسامح؟ وهل أدينا حق الله؟ وهل أحسنّا إلى والدينا وأهلنا وأرحامنا؟ وهل قلنا لمن نحب إننا نحبهم؟ وهل شكرنا من صنع معنا معروفاً؟ وهل سامحنا من أساء إلينا؟ وهل أعددنا للرحيل ما يستحق أن نحمله معنا؟
أما أنا، فعندما سبرتُ أعماق قلبي بعد تلك المحنة، فوجئت بعالم كبير يسكن قلباً صغيراً.
يا الله… كم كان قلبي مزدحماً بالجمال وأنا لا أعلم!
وجدت فيه وجوهاً كثيرة، ومواقف لا تُنسى، ودعوات صادقة، ورسائل، واتصالات، وزيارات، وقلوباً خافت عليّ وكأن ما أصابني أصابها.
وكنت قد سمعت كثيراً قول الشاعر: «ما أكثر الأصحاب حين تعدّهم…» لكنني في نازلتي وجدتني أتوقف طويلًا أمام هذا المعنى؛ فقد رأيت حولي من الوفاء ما جعلني أقول: ما أكثر الأوفياء حين تحتاج إليهم، وما أجمل الناس حين تكشف الشدائد معادنهم.
وجدت أصحاب المعالي، وأصحاب السعادة، والعلماء والفضلاء.
وجدت الشقيق الصادق، والزوجة الحانية، والابن البار، والأهل الذين يصبح ألم الواحد منهم ألم الجميع.
وجدت الصديق الصادق الصدوق، الذي لا يحتاج إلى موعد ليكون حاضراً حين تحتاجه.
وجدت أصدقاء العمر من مختلف مدن هذا الوطن الغالي؛ قريبهم وبعيدهم، من جمعتني بهم السنون، ومن فرقت بيننا المسافات ولم تفرّق بين القلوب.
وجدت الشاعر والأديب، ووجدت الكلمة التي كانت في لحظة ضعفٍ دواءً، والدعاء الذي كان يسبق صاحبه إلى قلبي.
وجدت جماعتي المخلصين، ووجدت قبيلتي الرائعة من شرقها إلى غربها، من سراة بلقرن إلى تهامتها، كأن المسافات اختفت، وكأن الجميع يقفون عند سريري بقلب واحد.
وجدت رفاق الدرب والزملاء المخلصين، القريب منهم والبعيد.
وجدت الأبناء، والجيران الصادقين المتحابين في الله، وكل من حمل لي في قلبه دعوة صادقة.
حتى العامل البسيط الذي قد لا تربطني به إلا تفاصيل الحياة اليومية، وجدت منه صدقاً ووفاءً وإنسانيةً لا تُشترى.
ثم وجدت شيئاً عظيماً آخر:
وجدت نعمة الوطن.
حين يكون الإنسان صحيحاً معافى، قد تمر أمامه كثير من نعم الوطن وكأنها من مسلّمات الحياة، لكنه عندما يصبح بين أيدي الأطباء، يدرك معنى أن يكون خلفه وطن كامل.
وجدت المسعف المحترف، والكادر الطبي المخلص، والطبيب، والممرض، والفني، وكل يد امتدت لتداوي، وكل عين سهرت لتراقب، وكل جهاز سُخّر بعد الله لإنقاذ حياة إنسان.
وعرفت أكثر أن من أعظم النعم أن يعيش الإنسان على أرض وطنٍ جعل صحة الإنسان وكرامته في مقدمة أولوياته، وأن يجد المريض الرعاية والخدمة والعناية وهو في أشد لحظات ضعفه.
فالحمد لله على نعمة المملكة العربية السعودية، وطناً وقيادةً وأمناً ورعايةً وانتماءً.
في تلك الأيام، اكتشفت أنني لم أكن أملك قلباً صغيراً كما كنت أظن؛ بل كنت أحمل في صدري عالماً كبيراً جداً.
عالماً من الرجال والنساء، والأهل والأصدقاء والزملاء والجيران والأحبة، ومن أناس لم أكن أتوقع أن يكون لي في قلوبهم كل ذلك المكان.
لقد غُمرت بحب منقطع النظير.
حبٌّ أخجلني بقدر ما أسعدني، وأثقل عنقي بالوفاء، وجعلني أتساءل:
بأي شيء يستطيع الإنسان أن يردّ كل هذا الحب؟
ولم أجد جواباً أجمل من الدعاء.
اللهم كما سخّرت لي هذه القلوب، فأسعدها، واحفظها، وبارك في أعمار أصحابها وأهلهم وأبنائهم، ولا ترهم مكروهاً في أنفسهم ولا فيمن يحبون، واجزهم عني خير الجزاء.
لكن الأزمة لم تعلّمني معنى الحب وحده.
لقد وضعت أمامي سؤالًا أكبر:
ماذا أعددتُ ليوم الرحيل؟
أيّ واحد منا قد يغادر هذه الدنيا في لحظة، وربما في أقل من ثانية.
لا منصب سيؤخر الموعد، ولا مال سيشتري دقيقة إضافية، ولا جاه سيمنح صاحبه نفساً إذا انتهى الأجل.
عندها أدركت أن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو التسويف.
سوف أتوب. سوف أصل رحمي. سوف أعتذر. سوف أسامح. سوف أتصدق. سوف أقول لمن أحب: أحبك. سوف أشكر من أحسن إليّ. سوف أصلح ما بيني وبين الله وما بيني وبين الناس.
ولكن… من ضمن لنا أن هناك «سوف» أخرى؟
لقد علّمتني أزمتي القلبية أن الموت ليس قصة نسمعها عن الآخرين، وأن الرحيل لا يستأذن، وأن أجمل استعداد له ليس الخوف الذي يشلّنا، بل العمل الذي يصلحنا.
أن نعيش بقلب سليم. أن نؤدي الصلاة والحقوق. أن نرد المظالم. أن نصل الرحم. أن نكثر من المعروف. أن نترك خلفنا أثراً طيباً وذكراً جميلًا ودعوةً صادقة. وأن نتصالح مع الله، ثم مع أنفسنا، ثم مع الناس.
وتعلمت كذلك أن الحياة، على قصرها، جميلة جداً حين نعرف قيمتها.
فنجان قهوة مع من نحب نعمة. ضحكة الأبناء نعمة. صوت الصديق نعمة. طرق الجار للباب نعمة. أن تستيقظ صباحاً وتتنفس بلا ألم نعمة. أن تمشي على قدميك نعمة. أن يخفق قلبك دون أن تشعر به نعمة عظيمة لم نكن نحسن شكرها.
كم من النعم لا نعرف أسماءها إلا عندما نخشى فقدها!
واليوم، حين أضع يدي على صدري وأقول: آهٍ يا قلبي… فإنني لا أقولها ألماً وحده. أقولها دهشةً وحمداً وامتناناً.
آهٍ يا قلبي… كم حملتَ لي من الناس ولم تخبرني.
آهٍ يا قلبي… كم كنتَ غنياً بالحب وأنا أحسب الغنى فيما نملك.
آهٍ يا قلبي… لقد أتعبتني يوماً، لكنك علّمتني في ذلك اليوم ما ربما احتجت أعواماً طويلة لأتعلمه.
وعندما فتشت فيك، لم أجد مرضاً فقط…
وجدت وطناً. وجدت أهلًا. وجدت إخوةً وأبناءً وأصدقاء. وجدت رفاقاً وجيراناً وزملاء. وجدت علماء وأدباء وشعراء وفضلاء. وجدت قبيلةً وجماعةً ووجوهاً كريمة. وجدت أياديَ بيضاء وقلوباً صادقة. وجدت حباً لم أكن أعرف أنني أملكه.
وقبل ذلك كله، وفوق ذلك كله… وجدت لطف الله.
وجدت رحمته تسبق خوفي، وعنايته تحيط بضعفي، وقدرته فوق كل قدرة.
فيا رب، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما منعت، ولك الحمد على ما ابتليت، ولك الحمد على ما عافيت، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
اللهم اجعل ما مررت به تكفيراً ورفعةً ويقظةً لا غفلة بعدها، وأعنّي على ما بقي من العمر أن أجعله أقرب إليك، وأنفع لعبادك، وأوفى لمن أحبني، وأرحم بمن حولي.
اللهم اغفر لنا ما مضى، وبارك لنا فيما بقي، وأحسن لنا الختام، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، وارزقنا قلوباً سليمة، وألسنةً ذاكرة، ونفوساً شاكرة، وأعمالًا صالحة، وأثراً جميلًا يبقى بعد الرحيل.
واحفظ يا رب وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، وقيادته وشعبه، وأدم عليه أمنه وعزّه واستقراره، واحفظ جنوده ورجال أمنه، وبارك في أطبائه وممارسيه الصحيين وكل من جعل من خدمة الإنسان رسالةً وشرفاً.
واحفظ كل قلب أحبني، وكل لسان دعا لي، وكل قدم جاءت لزيارتي، وكل يد امتدت إليّ، وكل رسالة وصلتني، وكل من سأل عني في حضوري وغيابي.
لقد منحتني الحياة درساً قاسياً… لكنني خرجت منه بهدية لا تُقدّر بثمن:
عرفت قيمة الحياة، وعرفت قيمة الناس، وعرفت شيئاً من قيمة الوطن، وعرفت قبل ذلك كله أن رحمة الله أكبر من كل خوف.
فلا تنتظروا أزمةً في القلب… حتى تكتشفوا ما في قلوبكم.
أحبوا الآن. سامحوا الآن. اشكروا الآن. صلوا أرحامكم الآن. وأصلحوا ما بينكم وبين الله الآن.
فالعمر لا يخبرنا كم بقي منه.
وإذا كان القلب قد علّمني شيئاً، فهو أن أجمل ما يحمله الإنسان في رحلته القصيرة هذه ليس ما جمعه في يده… بل ما جمعه في قلبه، وما أودعه في قلوب الآخرين.
والحمد لله الذي أحياني لأقولها من أعماق قلبٍ عرف بعد الألم كم هو غني:
الحمد لله على الحياة… الحمد لله على الوطن… الحمد لله على الأهل والصحب والأحبة… والحمد لله على كل قلبٍ أحبني ودعا لي.
آهٍ يا قلبي… ما كنت أعلم أن كل هذا العالم الكبير يسكن فيك.
❤️????????????????????

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً