كتاب لاتحزن
وَمْضَةٌ في عَتَمَة

وَمْضَةٌ في عَتَمَة

حجم الخط

 

كتَبه : أبو مشاري 

مَدْخَل :

أكرَمَني رَمزُ بلقرن معالي الشيخ / عبدالله بن مجدوع ذاتَ مَرَّةٍ حين خَلَعَ عَلَيّ لَقبَ ( مَنفلوطي بلقرن ) ..

ومع يقيني بالبونِ الشاسعِ بين ما أنا عليه وبين مقامِ الأديبِ الشاعرِ المصري / مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله ، وكذلك بين زماني وزمانه ، حيث توفي قبل مئةِ عامٍ وتحديدًا عام ١٩٢٤ م ، إلا أن إستحضارَ الأسلوبِ الأدبي لذلك الأديبِ الراحلِ من قِبَل معالي الشيخ عبدالله من حيث إغراقِه في التفاصيلِ عند الكتابةِ لإيصالِ الفكرة كاملةً كما هي ، وكذلك بعض الجوانبِ الأخرى الجاذبةِ لذلك الأديبِ في الكتابة جَعلَ الشيخَ يُكرِمُني ويُحفِّزُني كإبنٍ لبلقرنِ كعادتِه فألبَسَني عَباءةَ ذلك الأديبِ الفَضفاضةِ الغاليةِ التي يتوه جسدي بداخلها ..

فللشيخ عبدالله وافرُ التحايا وأطيبها ، ورحِم اللهُ الأديبَ المنفلوطي ( أنتهى المدخل ) .

أما مقالُ اليومِ فيحومُ حول إنطِباعٍ سلوكيٍّ وإجتماعيٍّ حَمَلَته ذاكرتي أثناءَ تواجدي في إجازة هذا الصيف بأرضِ الجنوب ..

فقد أتصل بي أحدُ الإخوةِ الأعزاءِ من إحدى قبائلِ بلقرنِ العظيمةِ ، وسألني : هل الوالد موجود بالبيت عندكم ؟ قلت : نعم

قال إذًا سآتي بعدَ نصفِ ساعةٍ أنا وأخواني نزورُه ونُسلِّم عليكم ، فقلت حيهلا فالسماءُ تُرَحِّب والأرضُ تُرَحِّب والكلُّ يُرَحِّب .

ثم تشرَّفنا بزيارتِهم لنا وحديثِهم الطيبِ معنا ، وبالفعل صَنَعوا أجواءً من السعادةِ والأُنسِ لوالدي الكبيرِ في السِنِّ ولنا جميعًا لا تكادُ توصَف ، وحقيقةً لا أوَدُّ التطرُّقَ لأسمائِهم حتى تظَل أجورُهم كما هي لا يخاطلُها ذِكرُ جميلِ بِرِّهم بذِكرِ أسمائهم .

وقد كانت تلك الزيارةُ كَرَمًا منهم علينا ، وبِرًّا منهم لوالدِهم الذي أنتقلَ إلى رحمةِ الله قبل عدة سنوات ، حيث كان والدُهم صديقًا لوالدي لفترةٍ طويلة ..

ولا أُذيعُ سِرًّا حين أقول كم تَرَكَت تلك الزيارةُ من أثَرٍ طيِّبٍ بالغٍ في نفوسِنا فلقد رأيت البِشْرَ والسُرورَ يتهلَّل من وجهِ أبي حين كان ينظرُ لأبناءِ صديقِه وهم يأتون لزيارته ويبرِّون أبيهم بزيارة صديقه بكلٍّ إعتزازٍ ومَحبة ، ثم عَلِمت من والدي لاحقًا أن أولئك الإخوةَ الكرامَ البررةَ كلما علِموا بتواجدِ والدي بالمحافظةِ خلال السنوات الماضية ومنذ وفاة أبيهم رحمه الله كانوا يأتون بصفةٍ دوريّةٍ لكي يُصَلُّوا الجمعةَ في جامعِ الحنيكِ حتى يقابلون والدي ويزورونه .

يا له من شُعورٍ يجعل الإنسانَ يرى وَمَضاتِ الخيرِ وهي تَشِع في عَتَمَة القطيعةَ التي يقترفُها الكثيرُ من الناسِ ليس لأصدقاءِ آبائهم وأمهاتِهم فحسب ، بل لأرحامِهم الأقربين .

فقد رأيتُ وسمِعتُ عن أناسٍ لازالوا يقاطِعون خالاتِهم رغم أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم يقول ( الخالةُ في مقامِ الأم ) وقطيعتُها هي عَتَمَةٌ في بِرِّ الأم سواءً في حياة الأم أم بعد مماتها ، وكذلك الخالُ والعمُّ والعمةُ والجَدُّ والجدة والإخوةُ والأخوات والأبناءُ والبنات ، والأعظَم وقعًا من ذلك قطيعةُ الأب والأم .  

ماذا نريد من هذه الدنيا القصيرةِ الفانيةِ إذا كانت القطيعةُ تضربُ أطنابها فينا ، بينما تنتظرُنا نتائجُ سُوءِ أعمالِنا مكتوبةً في صحائفِنا عند لقاء ربِنا ؟

أين نحن من مثل أولئك الإخوة العِظام الذين أشرتُ إليهم وقد تجاوزوا حُدودَ الصِلةِ والبِرِّ في دائرةٍ القَرابةِ فجعلوا يعتنون بأصدقاءِ أبيهم ويزورونهم ويُكرِمونهم صِلةً لهم وإمتدادًا لبرِّهِم بوالديهم بعد مماتِهم ؟

ليتنا نتحلَّى بمثلِ تلك الأرواحِ العظيمةِ التي تُحَلِّقُ في سَماءِ الفَضيلةِ وتسمو عن وضائعِ السلوكيات ، وعن بضائعِ الشياطين ، لكي نُضيئُ عتَمَةً طالما صَنَعها الغافلون .

 

دُمتم أوفياء

← العودة للرئيسية