كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
عُرفٌ يُزاحِمُ الأفراح

عُرفٌ يُزاحِمُ الأفراح

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري

أصبَحَت الإجازةُ الصيفيةُ على الأبواب ، وتسامَت معها الآمالُ والتطَلُّعاتُ ، لما تَحمِلُه هذه المحطّةُ الزمنيّةُ عادةً في جوفِها من مَسَرّاتٍ وأفراحٍ قادِمةٍ تكتَنزُها الأنفسُ وتترقبُها العيون ..

 ففي مثل هذه الأيامِ من كل عامٍ وقُبَيلَ الإجازةِ الصيفيّةِ تبدأُ النفوسُ تتوقُ إلى مرحلةٍ من التغييرِ وكَسْرِ رَتابةِ السَنَةِ الدراسيّةِ والعملِ المُضني خلالَ كل عامٍ مُنصَرِم ، لتَحِلَّ الإجازةُ الصَيفيَّةُ بتَباشيرِها المتنوعةِ ما بين نجاحِاتِ الأبناءِ والبناتِ وتَطلُّعِ الموظفين وكل المواطنين إلى راحةٍ وإستجمامٍ وإجتماعاتٍ وزياراتٍ تنفُضُ عن النفوسِ غُبارَ السنة وتُعيدُ جميعُها للأرواحِ التوَقُّدَ ولإنتعاشَ لمواصلةِ عامٍ جديدٍ بعد أن تكونَ نسائمُ الإجازةُ الصيفيةُ وفعالياتِها المُنعِشة قد هَبَّت عليهم وغَشيَتهم نعائمُها ، فيعودون مرتفعيِّ الطموحات ، يتطلّعون لتحقيقِ آمالِهم وما يرومون إليه من أهداف ..

ويأتي في صَدارةِ المتطلِّعين للإجازةِ الصيفيةِ بشغفٍ وشوقٍ يأتي ( العرسان ) الذين هم على موعدٍ مسبقٍ ربما منذ شهورٍ عديدةٍ في حجزِ القاعاتِ وكل ما يتعلقُ بالأفراحِ من دعواتِ الضيوفِ وحجوزاتِ الشعراءِ والفِرَقِ المتخصصةِ في إحياءِ الأفراحِ الرجاليةِ والنسائيةِ وما يترتبُ على ذلك من تقديمِ دُفعاتٍ ماليةٍ للحجوزاتِ بُغيةَ إحياءِ ليلةِ العُمرِ التي طالما أنتظرَها كلُّ شابٍ وشابةٍ منذُ نُعومةِ أظفارِهم .

وكما هو معلومٌ فإن الحياةَ تحملُ في طياتِها جوانبَ الفرحِ والمَسَرّات ، وكذلك جوانبَ الأحزانِ والمآسي ، ولكلٍّ منها وجهتُها وكيفيةُ التعايشِ والتعاملِ معها في وقتِها المُحدَّد كما شرَعَ الله لعبادِه ، ولذلك لا ينبغي أن تطغَى إحداها على الأخرى إلا وِفقَ الشرعُ القويم .

ولأن الآجالَ لا يعلَمُ بحلولِها إلا الله فهي تحدثُ في كل زمانٍ ومكان ، بما فيها أواخر العامِ الدراسي وخلالَ الإجازةِ الصيفيةِ وفي كُلِّ وقت .

ومِحورُ مقالي هذا هو أنه يوجدُ في مجتمعِنا عُرفٌ صَنَعَهُ البعضُ بُحسنِ نيَّة ، لكنَّه لازالَ في تصوُّري يُأثِّرُ على شريحةِ المُقبِلين على الزواجِ من الشبابِ والشاباتِ وأهليهم ، وهو إلغاءُ الأفراحِ في مناسباتِ الزواج وغيرها أو إلغاءُ ( مظاهر ومباهج ) تلك الأفراحِ في حالِ حُدوثِ وفاةٍ في القبيلة منذُ شهرين أو شهر أو أسبوعين أو أسبوع ، مما يُزاحِمُ أفراحَ الشبابِ والشاباتِ وكلٍّ ذي مناسبةٍ سعيدةٍ ، ويَكسِرُ خواطرَهم وأهليهم ويعصِفُ بآمالِهم رغمَ عدمِ وجودِ علاقةِ رَحِمٍ أو مُصاهرةٍ أو مُجاوَرَةٍ أوغيرِها بالمتوفين من الأصل .

وهذا العُرفُ وإن كانت تُغلِّفُه مظاهرُ الإنسانيةِ إلا أنه ليس من الدِين في شيء ، وإنما وضَعَهُ بَشَرٌ قد لا يشعرون بأهمّيّةِ تلك المناسباتِ في نفوسِ أصحابها ، ولا ما يتَكَبَده المُقبِلون على الزواجِ من مبالغَ نظيرَ حجوزاتِهم المسبَقة ، ولذلك هم ينزَعون للتعاطفِ مع أحاسيسِ ومشاعرِ أهل المتوفين بينما يتجاهلون مشاعرَ الشبابِ والشاباتِ الذَين في الغالبِ لن تتكررَ لهم لَحظاتُ الفرحِ هذه ، فهي محطَّةٌ هامةٌ جدًا في حياتهم مهما تضاءلها البعض ، وهؤلاء الشبابُ والشاباتُ مع بَترِ سعادتهم فهم لا يستطيعون إزاحةَ هذا العُرفَ عن كواهلِهم رغمَ أن ذلك أمرٌ بشريٌّ لا ضَير في مراجعتِه إجتماعيًّا .

لقد تجاسَرتُ على تَناوُلِ هذا الموضوع  لأنني لا أعلمُ في دينِنا القويمِ ما يمنعُ من إقامةِ الأفراحِ في وقتِها بسببِ وفاةِ حصَلَت قبلَ عِدة شهورٍ أو أسابيع ، وإنما للميتِ حَقُّ الدعاءِ له والعَزاءِ لذويه في مصابِهم ، وكذلك للحيِّ الحقُّ في ممارسةِ شئونِ حياتِه المُعتادة ، ولا بأسَ أن يَعملَ أصحابُ الأفراحِ إعتبارً لظروفِ الوفاةِ إذا كانوا ممن لهم صِلةُ قَرابةٍ بالمتوفي أو من جيرانِه وذلك لأيامٍ معلومةٍ بعد الوفاةِ ولتكن خلال أيام العزاءِ المقامةِ عُرفًا وأيامِ حِدادِ ( غيرِ الزوجاتِ ) من قريباتِ المتوفي والتي لا يجوزُ أن تزيدُ أيامُ حدادِهِن عن ثلاثةِ أيامٍ لمَن أرَدن الحِداد . 

أما أن تحصُلَ وفاةٌ في قَبيلةٍ معينةٍ أو مجتمعٍ مُعَيَّنٍ قُبيلَ الإجازةِ الصيفيةِ أو خلالِها ثم نُعطِّلُ أفراحَ الشبابِ والشاباتِ وغيرِها من مناسباتِ الأفراحِ خلال هذه المرحلة فهذا الفعلُ لا يتَماهَى مع تعاليمِ الدينِ القويمِ بل يَسلُبُ حقوقَ المتزوجين وكل ذَوي أفراح ، ولا يراعي مشاعرَهم وسعادتِهم ولا سِيَّما أنه لا يوجدُ حَدٌّ زمنَيٌّ مُعيَّنٌ لهذا العُرفِ ، فلا يعرفُ أحَدٌ هل هو لمدةِ ثلاثةِ أيام ، أو أسبوع أو شهر أو شهرين أو أكثر ، وهذه المدةُ المفتوحةُ لا تزيدُ العُرفَ إلا غُموضًا وثِقَلا .

فهَلَّا تمَّ تحديدُ مَنعٍ الأفراحِ لمَن لهم صِلةٌ بالمتوفي أو الجيرانِ ( فقط ) لمدةِ أيامَ العَزاءِ الثلاثة ؟

وهَلَّا توقَّفنا عن التَثريبِ على مُقِيميِّ الأفراحِ وعن إحراجِهم  ؟

فالوفياتِ مُتتاليةٌ والحياةُ لا تتوقَفُ لموتِ أحد .  

أعي أن هذا المقالَ قد يصطدِمُ بكثيرٍ من الآراءِ وهذا أمرٌ طبيعيٌّ وصحِّي ، ولكن هناك من الأعرافِ والعاداتِ  المَسكوتِ عنها ما يؤلمُ شريحةً كبيرةً من الناسِ بَيدَ أنهم لا يتأوَّهون . فواجِبٌ - والأمرُ كذلك - على كل من تحمَّلَ أمانةَ القَلمِ أو الكَلِمة أن يؤدِّيَها بكل إخلاص ، وأن لا يستَنكِف من قولِ الحق ، بل يتجاسَر فيه آخذًا في إعتبارِه الثوابتَ الدينيّةَ والوطنيّةَ بأن لا يَمسُّها بسوءٍ فيما يكتبُ أو يقول ، بل عليه أن يُعليَ من تلكم الثوابتِ بكل ما أوتيَ من قُدرةٍ ووَسيلة .

مباركٌ للمُقْبِلين على الزواجِ ولكلِّ ذي فرحٍ ينتظره . 

ودُمتم في سُرورٍ وسلام .

← العودة للرئيسية