كتاب لاتحزن
ثوبُ التكلّفِ يُجافي دَفءَ الأُلفة

ثوبُ التكلّفِ يُجافي دَفءَ الأُلفة

حجم الخط

 

     في عالمٍ تموج فيه العلاقات، وتتسارع فيه الخطى، يبقى دفء الأُلفة مطلباً عزيزاً، لا يتحقّق إلا حين نخلع عن أرواحنا أثواب التكلّف، ونرتدي صدق العفويّة.

فالأُلفة لا تُشترى، ولا تُنتزع بالقوّة، بل هي طيفٌ يزور القلوب التي آمنت بأن البساطة جمال، وأن العفويّة راحة، وأن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح لنا أن نكون كما نحن، لا كما يُراد لنا أن نبدو.

ويأتي التكلّف… حين تلبس العلاقات ما لا يليق بها. وما أثقل العلاقة إذا ارتدت ثوباً ليس لها! فثوب التكلّف فضفاض، خانق، يُثقِل اللحظة، ويقيّد العاطفة، ويجعل من القرب عبئاً لا يُحتمل. وهو أن تُراقب كلماتك وكأنّها تُبثّ على الهواء، أن تحسب ضحكاتك، وتُصفّي أحاديثك من شوائب التلقائيّة، خشية أن يُساء فهمك أو يُؤخذ عليك هفوة. وما إن يستقر هذا الثوب على العلاقة، حتى تبدأ الروح بالانكماش، والصدق بالتلاشي، والأُلفة بالذبول.

وأمّا الأُلفة… فلا تحتاج تزييناً؛ فهي لا تُصطنع. هي ثمرة الصدق، ورفيقة الصفاء، ونبتة لا تنمو إلا في تربة خالية من الرياء. وهي أن تجد في الصمت راحة، وفي العيب غفراناً، وفي العفويّة قبولًا. هي العلاقة التي لا تُرهقك، ولا تُحمّلك أكثر ممّا تحتمل، ولا تُجبرك على تجميل نفسك لتليق بها.

هنا يمكن أن نتساءل: ما هي العلاقات التي تدوم… ولا تتكلّف؟ فنجد الإجابة: إنّ الصداقة الحقيقيّة لا تحتاج إلى طقوس، والمحبّ الصادق لا يحتاج إلى بروتوكول. فعلى سبيل المثال: الزوجان اللذان يحييان في حبّ، لا يُحمّلان بعضهما عبء المثاليّة، بل يجدان في كل تقصير فرصةً للاقتراب، لا للعتاب. فكلّ علاقة صحّت واستمرّت، إنّما صحّت ببساطتها، وامتدّت بعفويّتها.

وعندما نتطرّق إلى الفرق ما بين المجاملة والتكلّف… نجد الفرق فقط وجود “شعرة أدب”. قد يُقال: ألسنا بحاجة أحياناً للمجاملة؟ فنقول: نعم، بل إنّ المجاملة المهذّبة ضربٌ من الذوق، وجسرٌ يُمدّ حين لا تكفي الصراحة، خاصّة في البدايات، أو حين يُراد حفظ ودٍّ أو توقير مشاعر.

لكن الفارق بين المجاملة والتكلّف، كالفارق بين العطر الخفيف والطلاء الثقيل. فالمجاملة لا تُخفي حقيقتك، بل تُهذّبها. أمّا التكلّف، فيُخفيك أنت تماماً خلف قناعٍ ليس لك. فليكن في كلامك لين، وفي طبعك حُسن، ولكن إيّاك أن تُهدر ذاتك لتُرضي الآخر، أو تلبس لكلّ لقاء ثوباً جديداً من التصرّف المصطنع. فالمجاملة الخفيفة تُقرّب، والتكلّف المبالغ فيه يُباعد.

ونخلص إلى القول: إنّ ثوبَ التكلّفِ يُجافي دَفءَ الأُلفة. فلا تُثقِل العلاقات بثيابٍ لا تليق بها، ولا تُزيّن ذاتك لأجل القبول، فإن لم تُقبَل بعفويّتك، فليس ذلك مكانك. فدع مشاعرك تمشي حافية. واجعل حديثك دون هندام. وتذكّر دائمًا: أن القرب الحقيقي… لا يحتاج إذناً، ولا تبريراً، ولا ثوباً جديداً.

 

← العودة للرئيسية