رُهَابُ المَسَرَّات ..
كتبه : أبو مشاري
جلس أحدُهم مع أسرتِه ذاتَ مساءٍ في رَدهةِ المنزل أو ما يُسمَّى نجديًّا بالليوان ، وجعلوا يتبادلون أطراف الحديثِ في أُنسٍ ووِئام ، وفجأةً أطلَقَت إبنتُهم الكبرى طرفةً لطيفةً فإذا بالجميعِ يُقهقهُ وتنشرحُ صدورُهم حتى ألقى الإبنُ الأصغرُ بجسده على الأريكة غارقًا في الضحِك ، أما الإبن الأكبر فأحاط زنديه بخاصرتِه الأليمةِ للتخفيفِ من موجاتِ الضحكِ المتدفقةِ من جوفِه بسخاء ، وكان كُلُّ أفرادِ الأسرةِ ذلك السعيد المُنشرِح .. وقبل أن يختتمَ الأبُ لحظاتِ السرورِ التي غشيَتهم جميعًا أتاهُ آتٍ من نفسِه أو من الشيطانِ فأضطرَبَ وجعل يَفرُكُ عينيه بكفيه المقبوضَتين وقال :
أستغفروا يا جماعة ، الله يكفينا شَرَّ هذا الضحك ، فسكَتَ الجميعُ وكأنهم على موعدٍ من شَرِّ قد أقتربَ ليَسومَهم سوءَ العذابِ عِقابًا لسرورِهم ذاك .
حسَنًا .. الإستغفارُ وذِكرُ اللهِ محمودٌ ومطلوبٌ في كل حين ، ولكن لماذا يُغلِق البعضُ على أنفسِهم بأن لا يفرحون ويَسعدون طالما أن الشارعَ أباحَ لهم السرور ، لماذا لا نَستَلُّ لأنفسِنا قناعةً نرتهِنُ إليها بأن هذا السرورَ هو رزقٌ ساقَه اللهُ لنا ، فنحمد للهَ الذي أسعدنا ، بدلًا من أن نقتُلَ السعادةَ في مهدِها ونَهابَ هذا السرورِ وتبِعاتِه ؟؟!! .
أما الآخر فدُعِي إلى مأدبةٍ شهيَّةٍ عليها كلُّ أصنافِ الطعامِ وألذُّ المشروبات ، فنظرً للمائدةِ ثم قال بسم الله وبدأ مع المدعوين يتناولون ما لذُ وطاب ، وما هي إلا لحظاتٌ حتى أمَالَ جسدَهُ نحو الشخصِ الذي بجواره على المائدة وقال :
الله يكفينا شَرّ هذه النعمة فليس بعدَ هذه الولائمِ إلا زوالُها أو أن تنقلبَ فيُصَبُّ الوبالُ علينا صَبّا ، فأراعَ جارَه الذي أتى ليهنأ ويسعد ، فإذا بصاحبِنا المتشائمِ ينقلُ ذلك الموقفَ من حَمْدِ لله على هذه النعمةِ الملونةِ والإستمتاعِ بطيّباتِ ما رزقهم اللهُ به إلى كابوسٍ سيحلُّ بهم عما قريب .
إن اللهَ شَرَّعَ لنا الحمدَ والشكرَ عند حصولِ الرزقِ وبعدَ تناولِ الطعامِ ووعدَنا بالمزيدٍ حينئذٍ من فضلِه ، قال تعالى ( وإذا تأذّنَ ربُكم لئن شكرتُم لأزيدنَّكم ولئن كفرتُم إن عذابي لَشَديد ) .
فلذلك علينا أن نجتنِبَ سوءَ الظَن وأن ننزعَ إلى حُسنِه ، وأن نعيشَ لحظاتِ الرزقِ بسعادةِ وحَمدٍ للهِ سبحانه .
وَسُوءُ الظَّنِّ يَقْتُلُ كُلّ حُسْنٍ ..
وَحُسْنُ الظنِّ مِنْ شِيَمِ الكِرامِ
أما بَطَلُنا الثالثُ فقد رَنَّ جوّالُه الساعةَ العاشرةَ ليلاً فحَملَقَ فيه وأرتعَبَ وقال : يا ساتر .. شكْل هذا الإتصال في هذا الوقت ما وراه خير ، ثم رَدَّ ويدُه ترتَجِفُ فسمعَ صوتَ مديرِ الموارد البشريةِ في عملِه يهاتفهُ بنبرةٍ تغلّفُها البشائرُ وقال أبشرك وصَلَنا اليوم في وقت نهاية الدوام قرارُ الترقيات وأنت من ضمنهم ، ومن الجميل أن موقع وظيفتِك الجديدةِ في نفس إدارتنا .
سبحان الله .. أساءَ صاحبُنا الظَنَّ بينما اللهُ أكرَمَ الأكرمين .
ورابعٌ أتصلَ على جوالِ إبنِه العسكري في مدينة تبوك فلم يردّْ الإبن ، فتملَّك القلقُ والإرتباكُ هذا الأبَ وأستدارَ إلى زوجتِه ضاربًا كفًا على كفٍ مُتمتِمًا ( والله إن اليوم ملخبَط من أوله ) ، وأحالَ تفكيرَه إلى جانبِ سوءِ الظنّ وغَفَل أن يُحسِن الظنَّ وأن يوكِّلَ اللهَ سبحانه على كل أمرِه وأهلِه ومالِه وكل شيء له ، وفي اليوم التالي تبيًّن أن إبنَه كان مناوبًا لمدة ٢٤ ساعة في عمله وبعد إرهاقِه هَجَعَ طويلًا لتعويضِ عناءِ الإستلامِ وقد أغلقَ هاتفَه ..
لماذا نحن دائمًا نفزَعُ إلى سُوءِ الظن لأولِ وهلةٍ بينما اللهُ رحيمٌ بنا كريمٌ علينا ؟؟!! .
وهذه عاملةٌ منزليةٌ تم إستقدامُها من إحدى بُلدانِ شرقِ آسيا ، فكان أهلُ المنزلِ يجودون عليها بألذِّ الطعامِ وبكمياتٍ وَفيرة ، فكانت تتناولُ منه القليلَ فقط وتعيد الباقي مُتَذرِّعةً بخشيتها أن تتعوّد على كميةِ الطَعامِ وأصنافهِ ثم لا تجد ذلك عند عودتها لبلادِها في حين يكون جسمها قد إعتادَ عليه فتمرَض أو تتأذّى ، لماذا لا نعيش يومَنا وكما قيل : نأخذ بيوم السَعد حدَّه ، والله خير الرازقين ؟؟!!
يقول الأمير خالد الفيصل :
إلى صَفا لك زمانك عِلِّ ياظامي ..
إشربْ قَبِل لايحوس الطَّين صافيها
الوقت لو زانْ لك ياصاح مادامِ ..
ياسرع ماتعترض دربك بلاويها .
أما السادسُ فرَفَّ جَفنُه بسببِ الإجهادِ والتوترِ ، أو بسببِ قِلة النوم ، أو بسبب إضطرابٍ في الشعيرات العصبية ، فقال :
رَفَّ جَفني والله يستر من العِلم الجاي .
بهذا الطرائق يعيش بعضُنا للأسفٍ في دائرةِ سوء الظن من أطولِ شعرةٍ في رأسه إلى أخمَص قدميه ، فيفقد لذةَ الحياةِ الجميلةِ أصلاً حين يجحد النعمةَ بسوءِ ظنه هذا بَدلًا من الحَمد ، ثم يستغربُ حين تتوالى عليه المصائبُ بسببِ سُوءِ ظنِه بالله الذي قال وهو خيرُ القائلين في حديثٍ قُدسي :
( أنا عند ظنِّ عبدي بي ... ) .
أخيرًا .. مَن أتته مَسرَّةٌ من ربِّه فليحمده عليها ويستمتع بها ، ولا يقلبنَّها لوَجَلٍ وتشاؤم ورُهاب ، فهذه الحياة الدنيا ملوّنةٌ في حالاتها وهي جامعةٌ للأضداد ، وعلينا أن نتقبلَها كما هي حتى نلقى الله ونحن واثقون به موقنون برحمته .
يقول الإمام الشافعي رحمه الله :
ثمانيةٌ لابد منها على الفتى ..
ولابد أن تجري عليه الثمانية
سُرورٌ وهَمٌّ واجتماعٌ وفُرقةٌ ..
ويُسْرٌ وعُسْرٌ ثم سُقمٌ وعافية
دمتم سعداء
