كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
العُنصريَّةُ المقيتة

العُنصريَّةُ المقيتة

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري 

جعلَ اللهُ عَزَُ وجَلَّ هذا الخلائقَ شعوبًا وقبائل ليتعارفوا ، وجعل بينهم نَسَبًا وصِهرا .

فهذه الشعوب والقبائل تتناسب وتتصاهر فيما بينها كعلاقاتٍ إجتماعيةٍ تنظيميةٍ لهم في حياتِهم لا ليتفاخر بعضُهم على بعضٍ .

وقد كان الناسُ في الجاهليةِ يَمجِّدون قبائلَهم ويُعظِّمونها ويتفاخرون بها ويمنحونها الولاءَ المطلقَ سواءً كانت ظالمةً أو مظلومة .

فأتى الإسلام فنبذَ تلك العصبية الجاهلية المقيتة وجعل الناسَ سواسيةً ربَّهم واحد ونبيَّهم واحد ودينَهم واحد .  

فقال صلى الله عليه وسلم :

 ( ما بالُ دَعْوى الجاهليَّةِ ، دَعُوها فإنَّها مُنتنة ) .

وآخَى بين الناسِ وأذابَ الفوارقَ بينَهم إلا بالتقوى .

إلا أنه لا زالَ فئامٌ من الناسِ تتملّكهم العصبيةُ المقيتةُ فلا ينفكُّون عنها في حديثِهم وفي مواقفِهم وفي ولائهم ، فترون أحيانًا صُوَرًا متنوعة من تلك العصبية تتجلى في بعض المجالس وبعض الأعمال وبعض المجموعات ( القروبات ) في مشهدٍ يثير إشمئزاز الواعين بينهم والعقلاء حولهم .

فمثلاً يكون هناك حوارً بين شخصين في مجلسٍ ما ، فيأتي أخو أحدِهم أو قريبُه أو شخْصٌ من جماعتِه فيصبحَ وقتَها المتطفّلُ بعصبيتِه المقيتةِ ملِكًا أكثر من الملوك ويستأثر بالمنازلة ضد من يتجادل مع قريبه .

يطرح أحد أعضاء ( قروبِ ) ما رأيًا فينازعه فيه آخر ، وحينما يحتدمُ النقاشَ يَهُبُّ شخصٌ ثالثٌ أو مجموعةٌ من أقربائه أو فخذِه أو قبليته للذودِ عن قريبهم بطريقةٍ مقيتٍةٍ وكأن القروبَ أصبح ميدانًا لحرب داحس والغبراء .

وغير ذلك من صور العنصرية المقيتة .

يأتي أحدُهم فيعمد إلى إجترارِ النزاعاتِ القبليةِ البائدةِ ويستحضر بطولاتِ وإنتصاراتِ قبيلته دون وازعٍ من وطنيّةٍ أو رادعٍ من نظام ، فيكتبُ النَثرَ وينظُمُ القصائدَ في تلك المنازلات والتي قد تكون زورًا وبهتانا .

وفي المقابلِ هناك من يبالغَ في فَهْمِ العنصريةِ فيتورّعُ عن ذِكرِ مآثرِ أحدٍ من عشيرتِه أو قبيلتِه أو منطقتِه ظَنًّا منه أن ذلك يَدخُلُ في دائرةِ العصبيةِ المقيتة ، فلا يصبحُ شاكرًا لمُحسِن ولا ذاكرًا لمبدِع ولا داعيًا لمعطي ، ويتنصلُ من قبيلتِه أو عشيرتِه الأقربين بحجةِ المدنيةِ وعدمِ وجودِ ضرورة لهذا النسيجِ الإجتماعي الأصيل .

وهذا كله وما في حكمِه ضَربٌ من إدخالِ المفاهيمِ في بعضِها وإسقاطِ حُكْمٍ واحدٍ عليها .

فإن تفخر بنسبِك أو قبيلتِك أو مجتمعِك ووطنِك دون أن تجورَ في إصطفافٍ جائرٍ أو في غمطِ الآخرين أو في تَعالٍ على أحدٍ فذلك طبيعيٌّ .

أن يَذكرَ أحدٌّ حصولَ منفعةٍ لأحدِ أفرادِ قبيلتِه من بابِ العلم كترقيةٍ أو تخرُّجٍ أو تعيينٍ في منصبٍ مرموق ، أو يأتي بفضله في كرمٍ أو عطاءٍ أو نفعٍ للناس ، فذلك ليس داخلًا في عصبيةٍ بل هو أقرب العارفين بهذا الخبر فينقله لأخوانه ولا شيء في ذلك .  

وإن تحدث أحدٌ عن قبيلته أو عن قرابتِه أو نسبِه أو عن أُسرة أخرى هو أعلمُ بحالِها لأغراضٍ مباحةٍ كتعريفٍ بهم فذلك خير .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم معركة حنين :

 ( أنا النبيُّ لا كَذِب انا ابنُ عبدِالمطَّلب ) .

وقد أقبل سعدُ بن أبي وقّاص رضي اللهُ عنه ذاتَ يومٍ على الرسولِ صلى الله عليه وسلم وهو مع الصحابةِ رضوان اللهِ عليهم فقال النبي معتزّا بسعدٍ رضي الله عنه : 

( هذا خالي أقبل فليُرني أمرؤٌ خالَه ) .

 أي أن سعدًا من بني زهرة قبيلةِ أم رسولِ الله عليه الصلاة والسلام .

 وكذلك قول سلمة في المعركة :

 أنا ابنُ الأكوع ، وقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

 أنا الذي سمّتني أمي حيدره ، وأشباه ذلك ، وقد صَرَّح بجوازِ ذلك علماءُ السلَف ، قالوا : وإنما يُكرَهُ قولُ ذلك على وجهِ الافتخارِ كفعلِ الجاهلية .

والحمدُ لله أننا أصبحنا وطنًا واحدًا كما قال الشيخ الدكتور عايض القرني ( الكعبةُ قِبلتُنا والسعوديةُ قَبيلتُنا ) ولا تفاخر بيننا ولا عنصرية بيننا ولا عصبية في سلوكنا وأقوالنا .

دمتم في وئام

← العودة للرئيسية