سَوْءَةُ الإنتقاد
كتبه : أبو مشاري
هناك من يخلُطُ بين النقدِ والإنتقادِ برغمِ وجودِ فارقٍ بين المصطلحين ، فهذا الفارقُ يضعُ كلَّ مصطلحٍ في مكانِه المناسب ..
فالنقدُ هو فِعلٌ مُتجرِّدٌ غيرُ مُنحازٍ يوضِّحُ الإيجابياتِ والسلبياتِ دون إعتداءٍ لفظيٍّ أو إتهامٍ جارح ، أو شُعورٍ سَلبيٍّ دفين ، وذلك على غِرارِ ما هو سارٍ في الأعمالِ الأدبيةِ والعلميّةِ والمؤلفاتِ على اختلافِها ، حيث يكثرُ النقدُ ويتجلَّى ، وله عِلْمٌ قائمٌ بذاتِه ، ويقومُ عليه خبراء ومتخصصون وعالِمون بالمجالِ كأمثالِ إبنِ بلقرنِ الناقدِ والباحثِ الأستاذ/ طارق القرني وغيرِه من النُقَّاد .
بينما الإنتقادُ هو فِعلٌ يَميلُ إلى تَصيُّدِ الأخطاءِ واكتشافِ مواضعِ الخَللِ من دونِ تصويب ، ليأتيَ إستخدامُه في الغالبِ للإنتقاصِ من الآخر في عِدَّةِ أوجه .
ولو تناولتُ جانبَ الإنتقادِ السلبيِّ لغرَضِ نَقدِه في هذا المقالِ فلعلّي أضعُ بين يدَي القارئِ بعضَ جوانبِ مَثلَبَةِ الإنتقادِ السلبيِّ وتبعاتِه ..
ففي البدايةِ هناك دوافعُ للإنتقادِ أذكُر منها على سبيلِ المثالِ ما يلي :
أولًا .. الإسقاطُ النفسي :
حيث يُسقِط البعضُ مشاعرَهم السلبيةَ كالحسَدِ والغيرةِ والسعي لشَينِ الشَخصِ المنتقَدِ وإظهارِه في جانبِ القصور ، ومن المشاعرِ السلبيّةِ أيضًا النقصُ بحيث يرمي المنتقدون عُيوبَهم على الآخَرين في صورةِ أداةٍ دفاعيَّة لحمايةِ ذواتِهم من مواجهةِ هذه العيوبِ في أنفسِهم ، رغمَ أنهم قد يرون الشيءَ إيجابيًّا وتستيقنُه أنفسُهم ، ولكنها المشاعرُ السلبيةُ الدفينةُ تَفيضُ هنا .
ثانيًا .. المُحيطُ والتربية :
قد يكون الشخصُ المنتقِدُ نشأَ في بيئةٍ من عادتِها الإنتقاد بشكلٍ دائم ، مما جعلَه يعتقدُ أن الإنتقادَ هو الطريقةُ الطبيعيةُ للتعاملِ مع الآخَرين .
ثالثًا .. الشعورُ بالفوقيّةِ والأُستاذيّة :
البعضُ يعتقدُ أن إنتقادَ الآخرين يُعزِّزُ من مكانتِه الشخصيةِ ويُظهرُه بمظهرِ الأذكى أو الأكثر كفاءة ، رغم أن هذا المنتقِدَ قد يعتَريه من السلبياتِ والنقصِ ما اللهُ به عَليم ، ولكنه يُبصِر القَذاةَ في عَينِ أخيه ولا يرى الجِذعَ المعترِضَ في عَينِ نفسِه .
ولا شَكَّ أن هناك إنتقادً إيجابيًّا يهدِفُ إلى تقديمِ ملاحظاتٍ أو نصائحَ مفيدةٍ تساعدُ الشخصَ على التحَسُّن والنمو كالأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر ، ونُصحِ الأبٍ لإبنِه لتغيير مسارِه وأسلوبِه عندما يراه يقصِّرُ في واجباتِه التعليميَّةِ أو في سلوكياتِه بشكلٍ عام ، وغير ذلك ، أي أنه يمكِنُ تقديمُ هذا النوعِ من الانتقادِ الهادفِ أثناءَ سَيرِ العَملِ ، وفي حالِ إستئنافِ العمل وتكرارِه وليس بعدَ إنتهائه بشكلٍ نهائي ، وبحيث يتمُّ ذِكرُ النقاطِ الإيجابيّة قبلَ النُصحِ وذلك لغرَضِ التحفيزِ وائتلافِ النفس .
وبحيث يكون الإنتقادُ على إنفرادٍ وليسَ على رؤوسِ الأشهاد ، مما يؤدي لزعزعَةِ ثقةِ الناسِ في ذلك الأداءِ وفي صاحبِه ، كأن يكون في مجموعاتِ التواصلِ الإجتماعي أو في غيرِها من التَكتُّلاتِ البشريّة .
أمّا الانتقادُ السَلبي فهو يُركِّزُ على جوانبِ القصورِ ولكن بشكلٍ جارحٍ ودونَ تقديمِ حلولٍ أو اقتراحاتٍ للتحسين ، مما يؤدي إلى الإحباطِ والشعورِ بالغضبِ من قِبَل الشخصِ المنتقَد .
ومن أمثلةِ الإنتقادِ السلبي ما يلي :
# يزورُ أحدُهم مريضًا بمرضٍ عُضال قد لا يُرجَى بُرؤه حسبَ رأي طبيبِه المعالج مثل سرَطان الرئةِ المُتقدِّم مثلًا ، فيأتيه الزائرُ ويعاتبه قائلًا ( كم نصحتك تترك الدُّخان لكن ما تسمع الكلام ) ..
حَسَنًا ، ماذا يستفيدُ المريضُ من هذا الكلامِ في الوقتِ الضائعِ سِوى رفَعِ تأنيبِ الضميرِ لدى المريضِ مما قد يُضعِف من مناعتَه ويعجِّل برحيلِه .
# يشتري أحدُهم سيارةً بمبلغِ مُعيَّنٍ فيلومَه أحدُ المُتصيّدين قائلًا ( أخطيت يا فلان لو أنك شريت السيارة نوع كذا ما دمت دفعت المبلغ هذا ، أو لو أخترت اللون كَذا بدل هذا اللون ) فيقتلَ سعادةَ هذا المشتري .
# أحدُهم يبني بيتًا ثم يعملُ مناسبةَ ( نزالة ) فيأتي المتربِّصون ويقولون ( عَزّ الله أنك ما ثَبّتت ، ليش ما وَسَّعت المجلس وصَغَّرت المقلَّط ، وليش ما سَوّيت رُخام خارجي بدل البوية اللي ما بتدوم سنتين ، وليش ما زدت عدد المغاسل ؟ )
طيب .. يعني هل تريدون أن يهدمَ البيتَ ويبنيه من جديد ؟ أم هو التنغيصُ ووأدُ السعادةِ في مَهدِها ؟
# أحدُهم يدعو أصحابَه على وليمةٍ في أحدِ المطاعم فيَنبَري أحَدُ المُتحَذلقين من المدعوين فيقول ( والله الطبخ دون المستوى ، ومستوى المطعم ما أعجبني ، والجو كله ما دَخَل مزاجي ، ليش ما ودّيتنا في المطعم الفلاني ما دمت عازم عازم ؟ ) .
وفي الواقعِ فإن من مَسيرةِ حياتي لم أجد بين عُلمائنا والمثقفين والواثقين ومَن لديهم الوعيُ الكافي من كبراءِ القوم لم أجد من بينهم من يجنح لنزعةَ الإنتقاد ، بل هم يرون جوانبَ النقصِ ويتجاوزونها خاصةً عند إنتهاءِ العملِ المنتقَد ، فهم لا يرون فائدةً من الكلامِ في الفائتِ بل هم يعطون لخيالِ الآخرين وإبداعاتِهم فرصةً لإتخاذِ القراراتِ والإستقلاليةِ المعقولة ، وهم أيضًا لا يرتَهِنون لمواقعِهِم وعِلمِهم وخبرتِهم وإستغلالِها في تبديدِ آمالِ الناسِ وطُموحاتِهم وأذواقِهم ، مستلهمين ذلك من إنصقالِهم في الحياة ومن تجشُّمِهم المهام الجِسام ، وإدراكِهم لجوانبِ الحياةِ والآثارِ النفسيّة والمجتمعيّة الناشئة من كلُِ قولٍ وفعل ، عكس ما هو مُلاحَظٌ من معالِمِ التصَحُّرِ العاطفي والتجَعُّدِ السلوكي لدى أبطالِ الإنتقاد .
دمتم بوئام
