دار العز والتمكين
بقلم: أبو حمزة غازي بن محمد آل دميس
ليست المملكة العربية السعودية وطنًا كسائر الأوطان، ولا أرضًا كسائر الأراض؛ فهي دوحة الإسلام، ومهد الرسالة، ومهبط الوحي، ومأرز الإيمان، ومهوى أفئدة المسلمين. اختارها الله تعالى محضنًا لبيته الحرام، ومنارًا لمسجد رسوله عليه الصلاة والسلام ، ومطارح لمشاعر الحج ومناسكه، وجعل الكعبة المشرفة قبلةً لأكثر من ملياري مسلم في مشارق الأرض ومغاربها.
على ثراها وطئت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشى بين جنباتها صحابته العظام، وفي أرجائها طاف جبريل والملائكة الكرام، وفي رحابها تنزل القرآن الكريم، وعلى أرضها اكتمل التشريع والتنظيم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام تحمل إلى البشرية نور التوحيد والعدل والرحمة والمساواة والسلام، وما نعيشه اليوم من امن ورغد عيش هو ثمرة دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذ قالَ إِبراهيمُ رَبِّ اجعَل هذا بَلَدًا آمِنًا وَارزُق أَهلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهُم بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 126].
ومن هذه الأرض المباركة خرج رجال عظماء حملوا راية التوحيد، ونشروا العلم والعدل، وفتحوا للإنسانية أبوابًا من الحضارة والمعرفة، حتى صار تاريخ الجزيرة العربية مرتبطًا بتاريخ الإسلام وروعته.
من الدرعية بدأت مسيرة أحفاد الصحابة
ففي عام 1139هـ - 1727م قامت الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، واتخذت من الدرعية عاصمة لها، وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ الجزيرة العربية، قامت على توحيد الكلمة، وترسيخ الأمن، وإحياء منهج التوحيد ومحاربة مظاهر البدع والجهل والخرافة. وامتدت الدولة السعودية الأولى في أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، حتى أصبحت الدرعية مركزًا سياسيًا وعلميًا مؤثرًا في الأوساط المحيطة بها، وكانت تلك المسيرة امتدادًا لعقيدة راسخة ومشروع سياسي واجتماعي أسهم في توحيد أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، ومن المفارقات العجيبة ان احد امرائها وهو الامام عبدالعزيز بن محمد آل سعود اغتاله وهو يصلي بالمسجد احد الروافض المجوس من احفاد أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبهذا انتهت الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ - 1818م.
ثم قامت الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ - 1824م بقيادة الإمام تركي بن عبد الله آل سعود، واتخذت من الرياض عاصمة لها، واستمرت حتى عام 1309هـ - 1891م، لتدخل بعدها البلاد في مرحلة من التفرق والصراعات السياسية حتى سقطت عام 1891م، لكن جذوة التوحيد لم تنطفئ، ولم يكن المجد قد كتب سطره الأخير.
عبدالعزيز.ملحمة التوحيد والبناء
ففي الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، استعاد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله مدينة الرياض، ومن هناك بدأت صفحة جديدة من صفحات التاريخ السعودي المشرق؛ سنوات طويلة من الكفاح، والحزم، والسياسة، والتوحيد، حتى استطاع الملك عبد العزيز أن يجمع شتات هذه البلاد تحت راية واحدة، ويؤسس "المملكة العربية السعودية" في 17 جمادى الأولى 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م.
وكان توحيد البلاد أعظم من مجرد جمع للأقاليم، فقد كان تأسيسًا لدولة حديثة قامت على الأمن والاستقرار، ورفع راية التوحيد، وخدمة الحرمين الشريفين، وبناء الإنسان والعمران. وليس غريبًا أن يقال في وصف عزيمة المؤسس:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
فقد كان الملك عبد العزيز رجل دولة ومؤسس وطن، ترك وراءه دولة فتية أخذت تنمو جيلًا بعد جيل.
من أرض الصحراء إلى دولة الإنجاز
ثم شاء الله لهذه البلاد أن تتفجر من باطن أرضها ثروة النفط، فجعلها الله سببًا من أسباب القوة والبناء، فسخرتها القيادة السعودية الحكيمة في بناء دولة حديثة، فطورت التعليم والصحة والبنية التحتية، وخدمت الحرمين الشريفين، وقامت برعاية الحجاج والمعتمرين، ومدت يد العون إلى المسلمين والمحتاجين في أنحاء العالم. ثم جاء أبناؤه الملوك من بعده لتواصل المملكة مسيرتها في البناء والتنمية، حتى أصبحت اليوم دولة ذات حضور مؤثر سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا على المستوى الدولي.
وقد صدق المتنبي حين قال:
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسامُ
فما وصلت إليه المملكة اليوم لم يكن وليد يوم وليلة، وإنما ثمرة عقود من العمل والبناء والتخطيط.
سلمان ومحمد.. امتداد المسيرة
واليوم تمضي المملكة وهي تتوشح ذكرى عرسها السادس والتسعين في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في مرحلة جديدة من التحول والتنمية، مستندة إلى إرث تاريخي عميق، ومكانة دينية فريدة، وطموح اقتصادي وتنموي واسع.
وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في قطاعات متعددة ضمن مستهدفات "رؤية السعودية 2030"، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد، وتنمية الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتطوير القطاعات غير النفطية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية حتى أصبحت في مصاف دول العشرين. ومع كل هذا التطور، تبقى مكة المكرمة والمدينة المنورة في قلب اهتمام الدولة، وتظل خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن من أعظم المسؤوليات التي تضطلع بها المملكة وملوكها وشعبها. إنه بحق وطن يجتمع فيه المجد والدين والتاريخ!
إن الحديث عن المملكة العربية السعودية ليس حديثًا عن اقتصاد أو عمران أو نهضة فحسب، بل هو حديث عن وطن ارتبط اسمه بأقدس مقدسات المسلمين، وشرفه الله بخدمة الحرمين الشريفين. وإن أعظم ما يميز هذه البلاد أن تاريخها الحديث ارتبط منذ قيام الدولة السعودية الأولى بمفهوم التوحيد والوحدة، ثم جاء تأسيس المملكة ليجمع مناطقها وقبائلها تحت راية واحدة، ويضع أسس دولة أخذت تنمو وتتطور حتى بلغت ما بلغته اليوم.
ولذلك يظل حب الوطن وفاءً لتاريخ عريق، واعتزازًا بحاضر تليد، وطموحًا لمستقبل مجيد. ولهذا كل فرد في هذا الوطن ينشد في خلده:
بلادي هواها في لساني وفي دمي
يمجدها قلبي ويدعو لها فمي
وقول الآخر:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
فالمملكة العربية السعودية اليوم تقف شامخة بين دول العالم، تحمل إرثًا دينيًا خالدًا وتاريخيًا مجيدًا، وتعيش نهضة متسارعة في مختلف المجالات، مستندةً إلى عقيدتها وقيمها، وإلى إرادة قيادتها، وطموح شعبها.
واليوم نصطف جميعًا مع قيادتنا -كل في موقعه- درعًا حصينًا وسدًا منيعًا في وجه العدى، وحال كل منا يقول:
سَأَحمِلُ روحي على راحتي
وَأَلقي بِها في مهاوي الرَّدى
فَإِمَّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَّديقَ
وَإِمَّا مماتٌ يغيظُ العِدى
فقلبي حديدٌ وناري لظى
وَأَحمي حياضي بِحَدِّ الحُسامِ
وأخيرًا: تحية اجلال واكبار للأبطال جنودنا البواسل الذين يذودون عن حياض بلادنا وحفظ الله المملكة العربية السعودية وحكامها وجنودها ومواطنيها ومقيميها، ونصرها وأيدها، وأدام عليها أمنها وإيمانها واستقرارها وعزها، وجعل هذه البلاد دار أمن وإيمان وعز وتمكين، ومنارةً للخير والسلم العالمي.
ودمتم بود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً