كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
1 + 1 لا يساوي 2 حين لا يعني الاختلاف انتقاص الحقوق

1 + 1 لا يساوي 2 حين لا يعني الاختلاف انتقاص الحقوق

حجم الخط


     في الحساب، لا خلاف على أن واحداً زائد واحد يساوي اثنين، فالأرقام لا تجادل، والمعادلات لا تغضب، والنتائج فيها محكومة بقوانين ثابتة.

لكن الإنسان ليس رقماً، والعقول ليست آلات حاسبة، والحياة أوسع من أن نحشرها في معادلة واحدة؛ لذلك قد يكون 1 + 1 في عالم الفكر لا يساوي 2.

قد نجلس في المكان نفسه، ونرى المشهد نفسه، ونسمع الكلمات نفسها، ثم نخرج برأيين مختلفين تماماً. لا لأن أحدنا بالضرورة مخطئ والآخر مصيب، وإنما لأن لكل إنسان زاوية يرى منها الأشياء، وتجربةً كوّنت وعيه، وعقلًا يزن به الأمور.

وهنا تبدأ قيمة الاختلاف.

ليس مطلوباً مني أن أفكر كما تفكر، ولا منك أن ترى الأشياء بعيني. وليس من شروط المحبة أن تتطابق آراؤنا، ولا من شروط الاحترام أن توافقني في كل ما أقول.

لكن المطلوب ألا أسلبك حقك لأنك خالفتني.

هذه هي المعادلة الأصعب.

فمن السهل أن أحترمك حين توافقني، وأن أمدح رأيك حين ينسجم مع رأيي، وأن أراك حكيماً ما دمت تسير في الطريق الذي اخترته أنا. لكن الاختبار الحقيقي لأخلاقي ووعيي يبدأ عندما تقول لي: أنا أختلف معك.

هل أبقى منصفاً؟ هل أحفظ لك قدرك؟ هل أستطيع أن أناقش فكرتك دون أن أنتقص من شخصك؟

المشكلة في كثير من خلافاتنا ليست في اختلاف الأفكار، وإنما في اعتقاد بعضنا أن امتلاك الرأي يعني امتلاك الحقيقة كاملة، وأن مخالفة الرأي خروجٌ من دائرة الصواب، وربما من دائرة الود أيضاً.

وهنا يتحول الاختلاف من نعمة إلى خصومة.

فالاختلاف في ذاته ليس عيباً؛ بل ربما كان ضرورة. لو تطابقت العقول تماماً لما تطورت الأفكار، ولو رأى الجميع الأشياء من الزاوية نفسها لما اكتشفنا زوايا أخرى للحقيقة.

وقد أختلف معك وأكون مخطئاً. وقد تختلف معي وتكون مخطئاً. وقد نختلف ويكون عند كل واحد منا جزء من الصواب. وهذه الاحتمالات وحدها كافية لتجعل الإنسان أكثر تواضعاً أمام رأيه.

ليس العدل أن تعطيني حقي عندما أوافقك؛ العدل الحقيقي أن تحفظ حقي وأنا أخالفك.

أن تقول: هذا رأيي، وذاك رأيك، ولك من الاحترام ما كان لك قبل أن نختلف.

فلا تسقط منزلة إنسان بسبب موقف، ولا تمحو تاريخاً بسبب رأي، ولا تنكر فضلًا بسبب خلاف، ولا تجعل الخصومة الفكرية مبرراً لسلب الحقوق أو تشويه الأشخاص.

قد لا نجتمع في الفكرة، ولكن يمكن أن نجتمع في الإنصاف. وقد لا نسير في الطريق نفسه، ولكن يمكن أن نحفظ لبعضنا حق السير.

وقد تقول أنت: واحد. وأقول أنا: واحد آخر. وليس شرطًا أن نذوب في بعضنا حتى نصبح اثنين متطابقين؛ فنحن بشر، لكل منا عقله ورؤيته وحقه في الاختيار.

لذلك فإن أجمل ما في معادلة الحياة ليس أن يكون: 1 + 1 = 2، بل أن يبقى: 1 هو 1، و1 الآخر هو 1؛ مختلفين في الرأي، متساويين في الحق، محفوظين في الكرامة.

فالاختلاف لا يفسد المجتمعات، وإنما يفسدها غياب العدل عند الاختلاف.

وحين نتعلم أن نخالف دون أن نظلم، وأن نختلف دون أن نقصي، وأن نتمسك بآرائنا دون أن نسلب الآخرين حقوقهم؛ عندها نكون قد فهمنا أن الإنسان أكبر من رأيه، وأن الحق أسمى من الخصومة، وأن الإنصاف أجمل ما يمكن أن يجمع المختلفين.


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية