العطاء والتسامح
في زمن تكثر فيه الخصومات وتشتد فيه الحساسية بين الناس تبدو بعض القيم الانسانية وكأنها تتراجع امام لغة المصالح والانتصار للنفس غير ان العطاء والتسامح يظلان من ارقى صور القوة الانسانية واكثرها قدرة على بناء علاقات مستقرة وترك اثر يتجاوز حدود المواقف
فالعطاء لا يرتبط بكثرة المال ولا وفرة الممتلكات فقد تكون كلمة طيبة او موقف نبيل او مساعدة صادقة سبباً في ترك اثر عميق في نفس انسان قد يفوق قيمة ما قدم مادياً فالقيمة الحقيقية للعطاء ليست فيما يخرج من يد الانسان فحسب ولاكن فيما يبقى منه في ذاكرة الناس
والانسان قد يرحل وتبقى امواله وممتلكاته لكن اثره الحقيقي يبقى في موقف كريم او كلمة جابرة او يد امتدت في وقت الحاجة فذلك هو العطاء الذي لا ينتهي بانتهاء الموقف
اما التسامح فليس ضعفاً ولا تنازلاً عن الكرامة كما قد يظن البعض بل هو قدرة على تجاوز الاساءة دون ان يتحول الانسان الى اسير لها وهو موقف يحتاج الى ضبط للنفس اكثر مما يحتاج الى الانتقام
والقوة الحقيقية لا تظهر دائماً في القدرة على الرد ولاكن تظهر احياناً في القدرة على ضبطه واختيار ما يحفظ الكرامة ويغلق ابواب الخصومة فمن السهل ان ينتقم الانسان حين تتاح له الفرصة لكن الاصعب ان يملك القدرة ثم يختار العفو عندما يكون العفو اصلح
والطيبة ورحابة الصدر ليست سذاجة بل قيمة انسانية تصنع الثقة وتفتح ابواب التفاهم وحين تقترن الطيبة بالحكمة يصبح الانسان قادر على وضع الحدود دون قسوة وعلى الاختلاف دون خصومة وعلى معالجة الخطأ دون تحويله الى عداوة
العطاء يزرع المحبة والتسامح يطفئ الضغينة ورحابة الصدر تمنح العلاقات فرصة جديدة للاستقرار اما القوة الحقيقية فهي ان تنتصر على رغبة الانتقام حين يكون بوسعك ممارسته وان تختار الخير حين تستطيع اختيار غيره
فما يملكه الانسان من مال او ممتلكات قد يفنى وما يجمعه قد يذهب لكن الاثر الطيب يبقى شاهد عليه ولذلك فان اغنى الناس اثر ليس بالضرورة اكثرهم امتلاك ولاكن اكثرهم عطاء وتسامح ونبل
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر واملأ قلوبنا عفواً ورحمة وحسن اثر
مرعي بن مريع القرني
