تلوث اجتماعي
حين تتحول النعمة إلى استعراض، ويصبح الإسراف مفخرة، فاعلم أن المجتمع بدأ يفقد شيئاً من وعيه قبل أن يفقد شيئاً من ماله.
لقد ابتُلي مجتمعنا في الآونة الأخيرة بمظاهر غريبة لم تكن من طبائع آبائنا وأجدادنا، ولا من أخلاق الإسلام التي تربينا عليها. وأصبحت وسائل التواصل تُظهر مشاهد تُؤلم القلب قبل أن تستفز العقل؛ موائد هائلة، وكميات طعام تفوق الحاجة بأضعاف، وتصويراً متعمداً للاستعراض، وكأن قيمة الكرم تُقاس بحجم الهدر، لا بعظمة الأخلاق.
وما دعاني إلى كتابة هذا المقال هو ما شاهدناه في الآونة الأخيرة من هدرٍ للنعم، يتبعه تصويرٌ متعمدٌ لمشاهد الاستعراض والتفاخر، في صورٍ لم تكن معهودة في مجتمعنا، ولا هي من عاداتنا الأصيلة، بل هي سلوكياتٌ دخيلةٌ على قيمنا، تستوجب الوقوف عندها، والتنبيه إلى آثارها، حفاظاً على نعمة الله، وصوناً لأخلاق مجتمعنا.
إن الكرم خُلُقٌ عربي أصيل، والإطعام من أفضل القربات، وإكرام الضيف شرفٌ ومروءة، لكن الإسلام لم يجعل الكرم مرادفاً للإسراف، ولم يجعل التبذير دليلًا على الجود.
قال الله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
فأيُّ كرمٍ هذا الذي ينتهي بأطنانٍ من الطعام في النفايات، بينما هناك أسرٌ لا تجد قوت يومها؟ وأيُّ نعمةٍ تُصان إذا كانت تُهدر أمام عدسات الهواتف طلباً للإعجاب والمشاهدة؟
إن تصوير الموائد بهذا الشكل، والتفاخر بضخامتها، والتنافس في المبالغة، ليس من الشكر في شيء، بل قد يكون باباً من أبواب كفران النعمة؛ لأن شكر النعمة يكون بحفظها، وصيانتها، ووضعها في موضعها، لا بإهدارها واستعراضها.
لقد عاش آباؤنا سنين طويلة في شظفٍ من العيش، يعرفون قيمة اللقمة، ويحمدون الله على القليل قبل الكثير، فلما وسَّع الله علينا، ظن بعض الناس أن النعمة خُلقت للاستعراض، وأن الوفرة تبرر التبذير.
والحقيقة أن من ذاق النعمة قريباً، ولم يعرف قدرها، قد يكون أسرع الناس إلى التفريط فيها.
إن النعم لا تدوم بالغفلة، وإنما تدوم بالشكر، وقد قال سبحانه:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
ومن أعظم صور الشكر:
- الاقتصاد في المأكل والمشرب.
- حفظ الطعام من الهدر.
- توزيع الفائض على المحتاجين.
- تعليم الأبناء احترام النعمة.
- عدم تحويل الولائم إلى مسابقات للمباهاة.
كما أن من المؤسف أن تُستغل وسائل التواصل لترسيخ ثقافة التفاخر، فينشأ جيلٌ يعتقد أن قيمة الإنسان فيما يعرضه، لا فيما يحمله من أخلاقٍ وقيم.
إن المجتمع الذي يصفق للهدر اليوم، قد يبكي على فقد النعم غداً.
فلنتقِ الله في نعمه، ولنتذكر أن وراء كل لقمةٍ تُرمى نعمةً كان يتمناها غيرنا، وأن النعم إذا لم تُشكر ارتحلت، وإذا كُفرت زالت.
ولنجعل شعارنا دائمًا:
ليس الكرم في كثرة ما يُهدر، وإنما الكرم في حسن ما يُقدَّم، وحكمة ما يُحفَظ، ورحمة ما يُوصَل إلى مستحقه.
نسأل الله أن يديم علينا نعمه، وأن يرزقنا شكرها، وأن يعيذ مجتمعنا من الإسراف، والتبذير، والتفاخر، وكل عادةٍ دخيلةٍ تُفسد القيم، وتذهب ببركة النعم.
انظر الرابط:
آخر ما توصل إليه الهياط.
https://vt.tiktok.com/ZSCK3TuLT/
رابط 2:
https://vt.tiktok.com/ZSCK3UyKT/




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً