كتاب لاتحزن
عندما يُغادر الأوفياء ويبقى الأثر

عندما يُغادر الأوفياء ويبقى الأثر

حجم الخط

 

في رحلة الحياة هناك محطات لابد أن يمر بها كلٍ منا -وهذه سنّة الله في خلقه - وتتباين هذه المحطات كما تتباين طبائعنا البشرية فيحلّ أناس ويرتحلون كأن لم يكونوا ويغادر آخرون وتبقى آثارهم خالدةً مابقي جميل ما صنعوا . 

نعم هذه هي الحياة وهذه محطاتها .

وفي رحلة الحياة وتحديداً في المجال التعليمي يغادر الأستاذ مقعده الوظيفي، لكنه سيبقى في مكانته الرفيعة داخل القلوب وفي المُقل، فالمناصب تُترك، أما الأثر الجميل فيبقى شامخاً يتوارثه ذكره الطيب على مدى الأزمان . 

اليوم  وفي محيطنا التعليمي يغادرنا فيمن غادر إسم ارتبط بالإبداع والإخلاص والجدّ والمثابرة تجاوز عمله حدود مكانته الوظيفية فكان الأب قبل الموظف وكان المرشد والموجه قبل المعلم وكان خير من حمل رسالة التعليم واقعاً مشهوداً عن كثب - ومن شاهد وعايش ليس كمن سمع أو قرأ - . 

غادرنا هذ اليوم الأستاذ والمعلم والمربي الفاضل الأستاذ / سعدي بن عايض بن قحمان القرني الموجه الطلابي و أحد منسوبي ابتدائية العلاية - هذا الصرح الشامخ بطلابه ومنسوبيه -  بعد رحلة عطاء استمرت على مدار أكثر من ثلاثة عقود من العمل المشرف والنشاط المتجدد والإخلاص والتفاني في أداء هذه الرسالة النبيلة التي حُمّل بها فكان خير من حملها وخير من أداها .

تشرفت بزمالة أبي محمد لسنواتٍ عديدة في مرحلة عمرية هي الأجمل في محطاتنا التعليمية فكان صدراً حنونا رحوباً لكل من عرفه ابتداءً بأبناءه الطلاب وانتهاء بالمجتمع المحيط مروراً بزملاء العمل - وانا احدهم- الذين شهدوا لهذا الرمز  التعليمي المشرف بعظيم الأثر وجمل الأداء وحسن المعشر وكان خير من حمل لواء الإرشاد والتوجيه الطلابي . 

لقد كان الأستاذ / سعدي مثالًا للموجه الطلابي الناجح، والمعلم المخلص، والإنسان النبيل الذي حمل رسالته التربوية بكل أمانة وإخلاص، فكان قريبًا من طلابه، حريصًا على احتوائهم وتوجيههم، يغرس في نفوسهم القيم النبيلة، ويزرع في قلوبهم الثقة والأمل والطموح.

وعلى امتداد سنوات عمله، سطّر صفحات مشرقة من التميز والعطاء، فحظي بمحبة طلابه، واحترام زملائه، وتقدير رؤسائه، لما عرف عنه من حسن الخلق، وصدق التعامل، ونقاء السريرة، ورفعة السيرة. وكان بحق نموذجًا يُحتذى في الانضباط والإخلاص والتفاني في أداء الواجب.

إن الكلمات مهما بلغت من البلاغة، والعبارات مهما ازدانت بجمالها، تبقى عاجزة عن الإحاطة بما قدمه أبي محمد من جهود عظيمة وأثر كريم تركه في نفوس أجيال متعاقبة، ستظل تذكره بالدعاء والثناء الجميل.

 

واليوم، ونحن نودعه في ميدان العمل، فإننا لا نودع إنجازاته ولا أثره، فالأثر الطيب لا يغيب، والرجال المخلصون تبقى سيرتهم حاضرة في الذاكرة والوجدان. 

و مرحلة التقاعد ماهي إلا محطة من حطات الحياة و ليست نهاية لمسيرة العطاء، بل بداية مرحلة جديدة يقطف فيها ثمار سنواتٍ طويلة من الجدّ والاجتهاد والبذل والعطاء المخلص .

ابا محمد :

شكرًا لك على كل ما قدمت. 

شكرًا لكل لحظة أخلصت فيها لرسالتك .

شكرًا لكل طالب أمسكت بيده نحو النجاح، ولكل زميل وجد فيك الأخ الصادق، ولكل مؤسسة تربوية تشرفت بوجودك بين منسوبيها.

نسأل الله العلي القدير أن يبارك لك فيما بقي من عمرك، وأن يديم عليك الصحة والعافية والسعادة، وأن يجعل كل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يجزيك خير الجزاء على ما غرسته من خير وعطاء.

دمت رمزًا للوفاء والإخلاص، وبقيت سيرتك العطرة نبراسًا للأجيال، وذكرى جميلة في قلوب كل ابناءك و محبيك .

بقلم : د. علي بن سعيد بن عبدالله

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية