انشر مقالك
الرحمة لغة تسبق القوانين

الرحمة لغة تسبق القوانين

حجم الخط
    مقدمة:

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المقال خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، وأن يجعله من أسباب دخولنا جنته ورضوانه، وأن يكتبه لنا ولكم صدقةً جاريةً ما دامت كلماته تُقرأ ويُنتفع بها، وأن يرحم به والدينا ووالديكم، وجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حين تشتد حرارة الصيف، وتلهب الشمس وجه الأرض، وتضيق الأنفاس من وهج القيظ، تتجلى قيمة عظيمة لا تحتاج إلى أنظمة تُفرض، ولا إلى لوائح تُسن، إنها الرحمة؛ تلك اللغة الإنسانية الخالدة التي سبقت القوانين، وسكنت القلوب قبل أن تُكتب في الدساتير.

فالرحمة ليست نصاً يُقرأ، ولا شعاراً يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، وشعورٌ صادق يدفع الإنسان إلى الإحساس بغيره، ومشاركة الآخرين همومهم وآلامهم، ومد يد العون لهم في أوقات الشدة والحاجة.

وفي فصل الصيف تبرز صور كثيرة تستدعي الرحمة بكل معانيها. فهناك أسرٌ محدودة الدخل تُثقلها تكاليف المعيشة، وعمالٌ يقضون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس، ومسنون أنهكهم الحر، ومرضى يواجهون ظروفاً صحية صعبة، وكل أولئك يحتاجون إلى كلمة طيبة، أو مساعدة صادقة، أو موقف إنساني يخفف عنهم بعض ما يجدون.

ولا تقف الرحمة عند الإنسان فحسب، بل تمتد لتشمل الطيور والحيوانات التي تشاركنا هذه الحياة. فما أجمل أن يضع المرء إناء ماء أمام منزله أو في مزرعته أو في طريق عام، ترده الطيور العطشى، وما أعظم أجر من يرفق بحيوان أنهكه العطش أو الجوع. فكم من مخلوق ضعيف لا يملك أن يطلب حاجته، ولكنه ينتظر قلباً رحيماً يشعر بمعاناته.

ومع قلة الأمطار في بعض المناطق، وتراجع الغطاء النباتي، تزداد مسؤولية الجميع في المحافظة على النعم التي أنعم الله بها علينا، وترشيد استهلاك المياه، وعدم الإسراف في الموارد، فالنعم تدوم بالشكر، وتزول بالجحود والإهمال.

كما أن العمل التطوعي في مثل هذه الظروف يعد من أرقى صور الرحمة. فالمتطوعون الذين يسعون لخدمة المجتمع، ومساعدة المحتاجين، وتوزيع المياه، ورعاية المرضى، ودعم الأسر المتعففة، يقدمون رسالة عظيمة مفادها أن الإنسانية ما زالت بخير، وأن العطاء لا تحده حدود.

إن من أجمل ما يتحلى به الإنسان الإيثار، وأن يقدم حاجة غيره على حاجته عند القدرة، وأن يبتعد عن الأنانية وحب الذات، وأن يستشعر أن ما عنده من مال أو صحة أو جاه أو علم هو أمانة ينبغي أن يسخرها فيما ينفع الناس. فالمجتمعات لا ترتقي بكثرة ما تملك، وإنما بقدر ما يسود بين أفرادها من تراحم وتكافل وتعاون.

وفي عالم يموج بالأحداث والأزمات، يبقى من واجبنا أن نستشعر أحوال المستضعفين والفقراء والمحتاجين في كل مكان، داخل الوطن وخارجه، وأن ندعو لهم، وندعمهم بما نستطيع، فرب درهم سبق آلاف الدراهم، ورب كلمة مواساة كانت بلسماً لقلب منكسر.

إن الرحمة ليست موسماً عابراً، ولا استجابة مؤقتة لظرف طارئ، بل هي منهج حياة، وخلق عظيم، ومفتاح للخير كله. وإذا كانت القوانين تنظم العلاقات بين الناس، فإن الرحمة تبني القلوب، وتزرع المحبة، وتشيع الأمن والطمأنينة في المجتمع.

فلنجعل من هذا الصيف موسماً للعطاء، ومن حرارة الجو دافعاً لاستحضار معاناة الآخرين، ومن نعم الله علينا سبباً للشكر والبذل والإحسان، ولنتذكر دائماً أن الرحمة لغة عالمية يفهمها الجميع، وأنها كانت وستظل لغةً تسبق القوانين، وتبقى أبقى من كل الأنظمة والتشريعات.

صيف ١٤٤٧هـ.

 

 

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية