انشر مقالك
أبو جود… وليلةٌ كتبتها بلقرن بماء الوفاء

أبو جود… وليلةٌ كتبتها بلقرن بماء الوفاء

حجم الخط
     في ليلةٍ من ليالي الوفاء التي لا تُشترى، ومن مجالس الرجال التي تُكتب بماء الذهب، اجتمع شيوخ وأعيان قبائل بلقرن من السراة وتهامة في “واحة جود” بمركز عفراء بقرية الحشاة، بدعوةٍ كريمة من الأخ الكريم الأستاذ سالم بن سويعد القرني “أبو جود”، الذي فتح أبواب مزرعته وقلبه قبل ذلك، ليصنع ليلةً عنوانها المحبة، وشعارها الصفاء، وروحها الجود الطبيعي غير المتكلّف.

ولعلّ أصدق ما قيل في وصف الرجال الذين جُبلوا على الكرم والسخاء، ما نظمه شاعر العربية الكبير أبو تمام حين قال:

“تعود بسط الكف حتى لو أنه
 ثناها لقبضٍ لم تطعه أنامله
 تراه إذا ما جئته متهللًا
 كأنك تعطيه الذي أنت سائله
 هو البحر من أي النواحي أتيته
 فلجته المعروف والجود ساحله
 ولو لم يكن في كفه غير روحه
 لجاد بها فليتقِ الله سائله”

وكأن هذه الأبيات كُتبت لأبي جود وأمثاله من الرجال الذين لا يعرفون التكلّف في الكرم، ولا التصنّع في البذل، بل يفيض عطاؤهم بعفوية المحبة وصدق الوفاء.

وبعد صلاة العصر، بدأت الوفود تتقاطر إلى واحة الجود، في مشهدٍ مهيبٍ يختصر معاني الأصالة والوفاء، حتى امتد اللقاء إلى قرابة الساعة العاشرة مساءً، وسط حضورٍ مشرّف ضم أصحاب المعالي، وأصحاب السعادة، والمشايخ، والأعيان، والشعراء، والوجوه الاجتماعية المعروفة، الذين اجتمعوا على المحبة الصادقة، والكلمة الطيبة، وصلة الرحم.

ولم تكن تلك المناسبة مجرد مأدبة عشاء أو لقاءٍ عابر، بل كانت ليلةً وطنيةً واجتماعيةً حملت في طياتها رسائل أكبر من الكلمات، ورسّخت معاني الصفح والتسامح ووحدة الصف، في صورةٍ تُجسد معدن قبائل بلقرن الأصيل.

وهنا… حضرت المفاجآت الجميلة التي أثلجت الصدور.

فقد تناقل الجميع خبر الصلح المبارك الذي تم قبل أيام بين أهالي سبت العلاية، ذلك الصلح الذي حظي برعاية واهتمام ومباركة من صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – وهو أمرٌ ليس بمستغرب على قيادة هذه البلاد المباركة التي جعلت من الإصلاح ولمّ الشمل منهجاً راسخاً.

وقد قامت منصات شهاب الإعلامية – مشكورة – بتغطية هذا الحدث المبارك، والإشادة بما قام به الشيخ عوض بن علي آل مساعد وأهالي سبت العلاية، في سبيل هذا الصلح الكريم، تقديراً للدور الاجتماعي الكبير الذي يعكس حكمة الرجال وسعيهم في جمع القلوب وإطفاء أسباب الخلاف.

وهنا… حضرت مفاجئة اخرى جميلة أثلجت صدور الجميع.

حيث تقدّم مستشار خادم الحرمين الشريفين، صاحب المعالي الشيخ عبدالله بن مجدوع – حفظه الله – ممثلًا لمنصات شهاب، بكلمات المباركة والتهنئة للشيخ عوض بن علي، ولأهالي سبت العلاية كافة، في موقفٍ يحمل من النبل والوفاء ما يليق بقامات الرجال الكبار.

ولم يتأخر الرد الجميل، إذ وقف شيخ شمل آل مشيب الشيخ عوض بن علي آل مساعد بكلمةٍ صادقة عبّر فيها عن تقديره واعتزازه، بهذه المباركة والتهنئة الصادق. ثم اصطف الشيخان جنباً إلى جنب، في مشهدٍ اختصر تاريخاً من المروءة والعقل والحكمة، وأعلنا أمام الجميع أن هذا اليوم يومٌ جديد، يومُ صفاءٍ وإخاء، وأن ما مضى قد طوته صفحات التسامح، مرددين بقلوب الكبار قبل ألسنتهم:

“عفا الله عما سلف.” ليصبح الخلاف بين أسرة آل مجدوع والشيخ عوض بن علي وأهالي سبت العلاية من الماضي.

إنها بلقرن يا سادة…
 قبيلةٌ تعرف معنى العفو، وتؤمن أن الصفح من شيم الكبار، وأن اللحمة الوطنية فوق كل اعتبار.

لقد بدا المشهد وكأن السراة وتهامة تذوبان في قلبٍ واحد، وأن الجميع يقفون تحت رايةٍ واحدة اسمها: المملكة العربية السعودية، بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – وسمو سيدي ولي العهد محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – صاحب الرؤية الطموحة التي جمعت القلوب قبل المشاريع، ووحّدت الصفوف قبل الطرق والبناء.

وفي تلك الليلة المباركة، ارتفعت كلمات الولاء والانتماء لهذا الوطن العظيم، وتجلّت صورة المجتمع السعودي المتلاحم الذي يبني مجده بالتسامح، ويقود مستقبله بالمحبة والاجتماع.

أما أبو جود…
 فقد كان اسمه على مسمى؛ جودًا في الاستقبال، وجودًا في الحضور، وجودًا في المشاعر، حتى أصبحت “واحة جود” ليلةً من ليالي بلقرن التي ستبقى عالقةً في الذاكرة طويلًا.

خلف الله عليك يا أبا جود، وبارك الله لك في أهلك ومالك، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأخلف عليك بخيرٍ وبركة، فما زرعته في تلك الليلة لم يكن طعاماً فحسب، بل كان زرعاً للمحبة، وغرساً للألفة، وتجسيداً لمعاني الوفاء التي لا يصنعها إلا الرجال الكبار. 


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية