فخُّ الرضا الزائف
في زمنٍ تيسّرت فيه سُبل العيش، وتكاثرت فيه مظاهر الرفاه، نشأ جيلٌ لم يذق طعم العسر، ولم يمرّ بتجارب الكفاح التي تُهذّب النفس وتُقوّي العزيمة. جيلٌ أُحيط بعنايةٍ مفرطة، وأُشبعت حاجاته قبل أن يطلبها، حتى ظنّ أن الحياة ستمضي على هذا النسق إلى الأبد. وهنا يبدأ فخُّ الرضا الزائف… حيث يختلط الامتنان بالاتكال، ويُستبدل الشكر الحقيقي بالغفلة.
الرضا في أصله خُلقٌ عظيم، يُورث الطمأنينة، ويُقرّب العبد من ربّه، لكنه حين يُفرّغ من معناه الصحيح، ويتحوّل إلى حالة من السكون السلبي، يصبح قيداً يغلّ الإرادة، لا جناحاً يُعينها على الطيران. فليس كل من بدأ راضياً، كان شاكراً، وليس كل من عاش في نعمة، كان واعياً بها.
إن الخطر لا يكمن في النعمة ذاتها، بل في الاعتياد عليها دون وعي، وفي الاتكاء عليها دون سعي. حين ينشأ الشاب وهو يجد كل شيء مهيأً أمامه، دون أن يمرّ بتجربة الحرمان أو مسؤولية الكسب، فإنه – في الغالب – لا يُدرك قيمة ما بين يديه، ولا يُحسن التعامل مع تقلبات الحياة. فإذا ما تغيّرت الظروف، أو تبدّلت الأحوال، سقط القناع… وظهر العجز… وهنا تتجلّى الحقيقة القاسية:
أن الحياة لا تثبت على حال، وأن من لم يتعلّم الوقوف بنفسه، لن يُجدي عنه الاتكاء حين تهتز الأرض من تحته.
إن من أعظم الأخطاء التربوية أن نمنح أبناءنا كل شيء، ونحجب عنهم أهم شيء: القدرة على المواجهة.
فالتدليل المفرط، وإن بدا حباً، قد يكون في حقيقته حرماناً مؤجلاً من مهارات الحياة. والرخاء المستمر دون تدريب على الصبر، يُنشئ هشاشةً داخلية لا تظهر إلا عند أول اختبار.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى القسوة، ولا إلى حرمان الأبناء، بل إلى التوازن؛ أن يُعطى الشاب ما يحتاجه، ويُدرّب في الوقت ذاته على الاعتماد على نفسه، وتحمل المسؤولية، وإدراك أن النعمة لا تُصان إلا بالشكر، ولا تُحفظ إلا بالسعي.
إن الشكر الحقيقي ليس كلمات تُقال، بل سلوك يُترجم؛
أن تعمل، وأن تُجيد، وأن تُهيئ نفسك ليومٍ قد تتغيّر فيه المعادلات.
فمن شكر النعمة أن تُحسن إدارتها، ومن حفظها أن لا تجعلها سبباً في ضعفك.
لقد علّمتنا السنن الإلهية أن الأخذ بالأسباب جزءٌ من الإيمان، وأن التواكل ليس من التوكل في شيء. فالمؤمن الحق هو من يجمع بين قلبٍ مطمئن، وعقلٍ واعٍ، وعملٍ دؤوب. لا يغترّ بما هو فيه، ولا ييأس مما قد يكون.
وكم من إنسانٍ عاش في ظلّ النعمة، فلما تبدّلت به الحال، لم يجد في نفسه ما يُعينه على النهوض، لأنه لم يتدرّب يوماً على الوقوف. وكم من آخر بدأ من الصفر، فبلغ القمم، لأنه عرف أن الطريق لا يُمهد إلا بخطواتٍ صادقة.
فخُّ الرضا الزائف لا يُكسر إلا بالوعي…
وعيٌ بأن الحياة دول، وأن النعمة اختبار، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بما تملك، بل بما تستطيع أن تكونه إذا فقدت ما تملك.
فلنربِّ أبناءنا على الشكر الذي يُثمر عملاً، وعلى الرضا الذي لا يُعطّل السعي، وعلى اليقين الذي لا يُلغي الأخذ بالأسباب.
فإنّ من جمع بين هذه الثلاث، عاش قوياً في النعمة، ثابتاً في الشدة، عزيزاً في كل حال.
ولعلّي أختم بقولي:
{ليس الخطر أن نعيش في نعمة… بل أن نغفل عنها حتى ننام في ظلالها}.
فالحمد لله ربّ العالمين على ما أنعم، ونسأله دوام النعمة مقرونةً بالشكر والوعي.
