العشر الأواخر من رمضان واغتنام الليالي الوترية طلباً لليلة القدر
*العشر الأواخر من رمضان واغتنام الليالي الوترية طلباً لليلة القدر*
مع ما تبقى من العشر الأواخر من شهر رمضان، تتغير ملامح حياة المسلم، وتتحول هذه الأيام إلى موسم عبادة يتسابق فيه المؤمنون لاغتنام ما بقي من الشهر الكريم. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، كما جاء في الصحيحين. وهذا السلوك النبوي يبين عظم هذه الأيام ومكانتها، ويدل على أنها فرصة لا تعوض لمن أراد القرب من الله ونيل فضله.
*العشر الأواخر مدرسة روحية*
العشر الأواخر ليست مجرد أيام عابرة، بل هي المرحلة الختامية في مدرسة رمضان. يتجدد فيها العزم، ويزداد فيها الاجتهاد، وتسمو فيها الروح، ويزداد فيها حضور المساجد وقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة وسائر الطاعات. وفي هذه الأيام يخفي الله ليلة هي أعظم ليالي العام، ليلة القدر، التي قال الله تعالى عنها: ليلة القدر خير من ألف شهر. وقال أيضاً: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر.
*تحري ليلة القدر*
البعد في هذه العبادة يكمن في بحث المسلم عن هذه الليلة المباركة في الليالي الوترية من العشر الأواخر، وهي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحريها فقال: تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان. وهذا التوجيه النبوي يحمل دلالة واضحة على أن المسلم لا ينبغي له أن يكتفي بليلة واحدة، بل يجتهد في جميع هذه الليالي حتى يدرك فضلها.
*العبرة بالخواتيم*
المتأمل في الواقع يلاحظ أن كثيراً من الناس يجتهدون في أول رمضان، ثم يصيبهم الفتور في آخره، مع أن الحقيقة الشرعية تؤكد أن العبرة بالخواتيم، وأن أعظم الفرص تكون في نهاية الشهر. ولذلك كان السلف الصالح يزيدون من اجتهادهم في هذه الليالي، فيكثرون من القيام والذكر والدعاء والاعتكاف، طلباً لرحمة الله ورجاءً لمغفرته.
*الدعاء في الليالي الوترية*
ومن أعظم ما يقال في هذه الليالي الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته ماذا تقول إذا وافقت ليلة القدر، فقال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. وهو دعاء جامع يفتح باب الرجاء، ويغلق باب اليأس، ويذكر العبد بسعة رحمة الله.
*مشروع إيماني متكامل*
إن اغتنام العشر الأواخر ليس عملاً شكلياً، ولا مجرد حضور للمسجد، بل هو مشروع إيماني متكامل يبدأ بتجديد النية، ويتجسد في صدق التوجه إلى الله، وكثرة الطاعات، والبعد عن الغفلة، واستحضار أن هذه الليالي قد تكون آخر رمضان يعيشه الإنسان في حياته.
*الخاتمة*
تبقى العشر الأواخر رسالة إيمانية متجددة تقول لكل مسلم إن الفرصة ما زالت قائمة، وإن باب الرحمة مفتوح، وإن ليلة واحدة قد تغير مصير الإنسان إذا صدق مع ربه واجتهد في طاعته. فمن وُفِّق لاغتنامها فقد نال خيراً عظيماً، ومن فرط فيها فقد ضيع كنزاً لا يقدر بثمن.
نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من المقبولين المعتوقين من النار.
✍️ مرعي بن مريع سلمان آل مساعد القرني
اللهم اجعل ما نكتب حجة لنا لا علينا، ووفقنا لقول الحق والعمل به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً