كتاب لاتحزن
تأملات في سورة يوسف عليه السلام الحياة بين البئر والسجن والتمكين

تأملات في سورة يوسف عليه السلام الحياة بين البئر والسجن والتمكين

حجم الخط


     تظل سورة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم لوحة فريدة في عرضها، متفردة في أسلوبها، وعميقة في مضامينها، حتى وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. ولم يكن حسنها في جمال سردها فحسب، بل في تصويرها الدقيق للحياة الإنسانية بكل ما تحمله من تقلبات واختبارات ومآلات.

إن المتأمل في هذه السورة الكريمة يدرك أنه لا يقرأ قصة نبي فقط، بل يقرأ قصة الحياة ذاتها، منذ بواكير الحلم، مروراً بمنعطفات الألم، ووصولًا إلى ذروة التمكين.

بدأت القصة برؤيا، ورؤيا الطفل غالباً ما تكون نقية، تحمل بشائر المستقبل دون أن تكشف عن ثمن الوصول إليه. رأى يوسف عليه السلام ما يدل على رفعة شأنه، لكن الطريق إلى تحقيق تلك الرؤيا لم يكن مفروشاً بالطمأنينة، بل مرّ عبر أول امتحانات الحياة، حين أُلقي في غيابة الجب، في مشهد يجسد حقيقة مؤلمة، وهي أن الإنسان قد يتعرض لأشد المحن من أقرب الناس إليه.

ثم تتوالى مشاهد الحياة، فينتقل يوسف من ظلمة البئر إلى حياة القصور، في إشارة إلى أن تبدل الأحوال من سنن الحياة، وأن الضيق قد يعقبه سعة، وأن العسر قد يخفي في طياته أبواباً لم تكن في الحسبان.

غير أن الحياة لا تكتفي باختبار الصبر على الألم، بل تختبر كذلك الثبات أمام الفتنة. وهنا يتجلى سمو يوسف عليه السلام، حين انتصر على دوافع النفس، واختار طريق العفة، مقدماً رضا الله على كل مغريات الدنيا.

ويبلغ التصوير ذروته حين يدخل يوسف السجن وهو بريء، في مشهد يكشف جانباً آخر من جوانب الحياة، حيث قد يُظلم الإنسان رغم وضوح الحق معه، إلا أن هذه المرحلة، رغم قسوتها، لم تكن إلا إعداداً خفياً لمرحلة أعظم.

ثم تأتي لحظة التمكين، بعد سلسلة طويلة من الابتلاءات، وكأن السورة تؤكد أن التمكين الحقيقي لا يولد إلا من رحم المعاناة، وأن الله إذا أراد لعبده أمراً هيأ له أسبابه في صمت ولطف.

وتتجلى الحكمة في قول يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾، وهي عبارة تختصر رحلة الحياة كلها.

ونخلص القول بأن سورة يوسف عليه السلام تعلمنا أن الحياة بناء متكامل، تتداخل فيه المحن والمنح، وأن الصبر والإيمان هما الجسر إلى التمكين.

كما إنها ليست قصة يوسف عليه السلام وحده… بل قصة كل إنسان آمن بأن بعد البئر أفقاً، وبعد السجن باباً، وبعد الصبر تمكيناً.


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية