عزوف عن الزواج وخلع بعد الانجاب خطر صامت يهدد استقرار المجتمع
ظاهرة خطيرة تتنامى في المجتمع لكنها تترك اثر عميق على الحاضر والمستقبل، وهي عزوف شريحة متزايدة من الشباب عن الزواج. هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل تحولت الى نمط اجتماعي تفرضه عوامل مادية ونفسية وثقافية متراكمة، اسهم فيها الطرفان، حتى اصبح الزواج في نظر كثير من الشباب والفتيات مشروع مؤجل لا استقرار منشود.
من الواقع في المجتمع، يتضح ان نظرة بعض الشباب للزواج تغيرت، فلم يعد ينظر اليه على انه سكن ومودة وبناء اسرة، بقدر ما اصبح مرتبط بتكاليف مرهقة ومسؤوليات ثقيلة، ومخاوف من الفشل او الطلاق او فقدان الحرية الشخصية. ويضاف الى ذلك عامل مؤثر يتمثل في عدم الامان الوظيفي في القطاع الخاص، حيث يعيش كثير من الشباب حالة قلق مستمر من فقدان العمل، او تقلب الدخل، او ضعف الاستقرار الوظيفي. هذا الواقع يجعل الشاب متردد في الاقدام على الزواج، خشية العجز عن الوفاء بالالتزامات الاسرية مستقبلا، ويعزز لديه قناعة ان تأجيل الزواج خيار اكثر امان في ظل غياب الضمان الوظيفي.
وفي المقابل، لعبت بعض الفتيات دور واضح في اتساع هذه الظاهرة، حين تغيرت اولوياتهن ونظرتهن للمستقبل، فاصبح التركيز على الوظيفة والعمل والاستقلال المادي مقدم على فكرة الارتباط وتكوين الاسرة. كما اسهم رفع سقف التوقعات، والمبالغة في شروط الزواج، وربط الاستقرار العاطفي بمستوى معيشي مثالي، في تعقيد المشهد وتعميق فجوة التفاهم بين الطرفين.
وتفاقمت المشكلة بظهور ظاهرة الخلع بعد الانجاب، حيث يجد بعض الرجال انفسهم ملتزمين ماديا تجاه ابنائهم، رغم ابتعاد الاسرة عنه مستقبلا، فيتحول الاب الى مجرد ممول، بلا استقرار نفسي ولا حياة اسرية متماسكة.
هذه الحالة لا تضر الرجل وحده، بل تنعكس اثارها على الاطفال، الذين ينشؤون في بيئة تفتقد التوازن العاطفي، وتسهم في اضعاف مفهوم الاسرة ودورها الحقيقي في المجتمع.
لا يمكن انكار اهمية تعليم الفتاة وعملها ودورها في التنمية، لكن الاشكالية تبدأ حين يتحول العمل الى بديل عن الزواج لا مكمل له، وحين ينظر للارتباط على انه عائق للطموح لا شراكة للحياة. فتتشكل قناعات خاطئة لدى بعض الفتيات، بان تأجيل الزواج او رفضه خيار اكثر امان للمستقبل، دون ادراك لما يحمله هذا الخيار من تبعات نفسية واجتماعية مع مرور الوقت.
القران الكريم وضع ميزان واضح لهذه المسألة، حين قال الله تعالى، وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم، ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم. والدعوة شاملة للرجال والنساء على حد سواء. وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المعنى، بقوله صلى الله عليه وسلم، الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة. فالزواج في المنظور الاسلامي ليس عائق للطموح، ولا انتقاص من المكانة، بل طريق للاستقرار والتكامل النفسي والاجتماعي.
سلبيات هذه الظاهرة لا تقف عند الفرد، بل تمتد لتصيب المجتمع كله. فتأخر الزواج او العزوف عنه يولد فراغ عاطفي، واضطرابات نفسية، ويزيد من احتمالات الانحراف، ويضعف الروابط الاسرية، ويؤثر على التوازن الاجتماعي. والمجتمعات التي سبقتنا في تقديم الفردية المطلقة، والعمل على حساب الاسرة، تقدم دروس قاسية، حيث ارتفعت نسب العزوف والعلاقات غير المستقرة، وتفككت الاسر، وظهرت اجيال تعاني من الوحدة وفقدان الحنان الاسري، رغم الوفرة المادية. كما ان انتشار الخلع بعد الانجاب يعمق هذه الاثار، ويكرس صورة الزواج كالتزام مالي مجرد، بعيد عن مقاصده الحقيقية.
المطلوب اليوم مراجعة صادقة للمفاهيم من الجميع. فالشباب مطالبون بالمسؤولية والواقعية، والفتيات مطالبات باعادة النظر في معادلة العمل والزواج بوصفهما مسارين متكاملين لا متعارضين. كما ان على الاسر والمجتمع تخفيف الضغوط والتكاليف، وتصحيح الصورة النمطية عن الزواج، واعادة الاعتبار له كقيمة انسانية واخلاقية، لا كمشروع استعراضي او عبء اجتماعي.
وفي الختام، فان الاستمرار في تجاهل هذه الظواهر وتبريرها خطر صامت يهدد بنية المجتمع واستقراره. فعزوف عن الزواج، وخلع بعد الانجاب، وعدم امان وظيفي، ومسؤوليات مفصولة عن الاستقرار الاسري، كلها مؤشرات على خلل عميق، ان لم يعالج بوعي وحزم، فسيترك اثار يصعب تداركها. والتنبه اليوم ضرورة، لان مجتمع تضعف فيه الاسرة، يضعف فيه كل شيء، مهما بدا متماسك في ظاهره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً