هندسة المقاييس في التراث العربي والإسلامي
(بحثٌ أدبي–علمي-مُنقَّح-بسيط)
توطئة: في تراثنا العربي والإسلامي، لم تكن المسافات مجرد أرقام، بل كانت دلالات حضارية تُبنى عليها الأحكام الشرعية، وتُحدَّد بها الحدود، وتُقاس بها الأراضي والمسافات. ومن خلال الشبر والذراع والباع والميل، وضع العرب منظومة قياس دقيقة سبقت المقاييس الحديثة، وجاء الفقهاء فثبّتوها وضبطوا مقاديرها. ولا يسعنا هنا إلا أن نقوم بجمع التصحيح اللغوي والفقهي للمقاييس، ونعرضها للقارئ في صورة أدبية وعلمية محكمة ومبسطة على النحو التالي:
أولًا: ترتيب أصابع اليد – الأساس اللغوي للقياس.
1) الإبهام: أوّل الأصابع وأقواها، ويقع منفصلًا قليلًا عن بقية الأصابع.
2) السبابة: الأصبع الثاني، ويُسمّى المؤشّرة أو المُسبّحة.
3) الوسطى: أطول الأصابع، وتقع في الوسط تماماً.
4) البنصر: يقع بين الوسطى والخنصر.
5) الخنصر: أصغر الأصابع، ويقع في طرف الكف.
والترتيب الصحيح: الإبهام ← السبابة ← الوسطى ← البنصر ← الخنصر.
وهذا الترتيب هو أساس قياس (الأصبع)، والذي استُخدم قديماً كوحدة دقيقة للوزن والمسافة.
ثانيًا: المقاييس اليدوية.
1) الشِّبْر: هو المسافة من طرف الإبهام إلى طرف الخنصر عند فتح الكف غاية المدّ. وهو أصل المقاييس، ويُستخدم في الفقه في تقدير الأراضي والحدود.
ورد هذا الحديث الشريف «مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» (صحيح البخاري ومسلم)
2) الأصبع: وحدة صغيرة من عرض السبابة أو الوسطى، ويُستخدم في الضبط الدقيق عند بعض الفقهاء.
3) القبضة: عرض الأصابع الأربعة (السبابة–الوسطى–البنصر–الخنصر).
ثالثاً: الذراع – التصحيح العلمي:
▪ الذراع في لغة العرب = شِبْران اثنان فقط.
▪ هذا هو الأشهر والأصحّ لغوياً:
– لسان العرب: «الذراع شِبْران».
– القاموس المحيط: «الذراع شِبْران غالبًا».
إذن: الذراع = شبران = قياس واقعي يتناسب مع جسم الإنسان.
وهناك تنبيه مهم: أي قول بأن الذراع = 6 أشبار يقصد «أشبار صغيرة بمعنى الأصبع»، وليس الشبر المعروف، ولذلك وقع الخلط عند بعض المتأخرين.
رابعاً: الباع:
▪ الباع هو امتداد الذراعين بالكامل عند مدّ اليدين.
▪ وبالقياس المعتمد:
الباع = ذراعان = شِبران × 2 = أربعة أشبار. وهذا هو المقياس الذي استخدمه العرب في الآبار والحدود وعمق الحفر.
خامساً : الميل الشرعي:
▪ الميل في الفقه الإسلامي يُقدّر بـ 4000 ذراع.
وبما أن الذراع = شبرين، يكون: الميل = 4000 ذراع = 8000 شبر. والميل = 2000 باع (لأن الباع = ذراعان). المصدر(١).
سادساً : الفرسخ والبريد:
▪ الفرسخ = 3 أميال.
▪ البريد = 4 فراسخ.
وعليه: فإن البريد = 12 ميلاً. والبريد = 12 × 4000 ذراع = 48 ألف ذراع = 96 ألف شبر. المصدر(٢).
سابعاً : مسيرة يوم:
▪ اتفق الفقهاء أن مسيرة يوم = 4 بُرُد = 48 ميلاً.
وبالتحويل: فإن مسيرة يوم = 48 × 4000 ذراع = 192,000 ذراع. ومسيرة يوم = 384,000 شبر. وهذا يعكس قدرة الراحلة العربية على السير من الشروق إلى الغروب.
ثامناً: سُلّم المقاييس النهائي:
الشبر: الأساس.
الذراع: شِبْران.
الباع: أربعة أشبار.
الميل: 4000 ذراع = 8000 شبر = 2000 باع.
الفرسخ: 3 أميال.
البريد: 12 ميلاً.
مسيرة يوم: 48 ميلاً.
ونختم القول: بأن المقاييس العربية ليست مجرد أرقام، بل هي تاريخ وهوية وعمق حضاري. وما بين الشبر والذراع والباع والميل والبريد ومسيرة اليوم، نقرأ دقة العرب ووعيهم وحكمتهم في بناء منظومة قياسٍ سبقت زمانها، وحفظها الفقه الإسلامي بمنهج علمي رصين.
تاسعاً : أهم المصادر المعتمدة:
(١) المصدر: المجموع – النووي (4/369)، المغني – ابن قدامة.
(٢) المصدر: فتح الباري – ابن حجر (2/670).
• لسان العرب – ابن منظور.
• القاموس المحيط – الفيروزآبادي.
• المجموع – النووي.
• المغني – ابن قدامة.
• فتح الباري – ابن حجر.
• كتب اللغة والفقه القديمة التي ضبطت المقاييس بدقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً