الاعتيادُ غفلةٌ… والبصيرةُ كنزٌ
النِّعَمُ المألوفةُ قد تغدو مفقودةً… ولا يراها إلّا العارفون؛ فمَن مَلَكَ البصيرةَ أبصر الكنوزَ في أبسطِ ما حوله. ويُقال في المثل: «ٱلْكَنْزُ فِي أَعْيُنِ الْعَارِفِينَ لَا فِي أَعْيُنِ الْغَافِلِينَ». ويُضرَبُ هذا المثل في أنّ قيمة الأشياء ليست في ذاتها فحسب، بل في عيونِ مَن يُقدِّرها ويُدرك حقيقتَها. فالعَارِفُ يرى النِّعمةَ كنزاً، بينما الغافلُ قد يمرُّ بها مرورَ الكِرام كأنّها لا شيء. ومن هنا تتجلّى أهميّةُ الوعي والبصيرةِ في إدراك النِّعَم قبل فوات الأوان
وعندما نسبرُ أغوارَ هذا المثل، نجد أن الوقت هو الكنزُ الذي لا يُعوَّض؛ فأوّل ما يتجلّى فيه هذا المثل هو الوقت. فالعارفون يعدّون الدقائقَ والساعات ثروةً لا تُقدَّر بثمن، يبنون بها مستقبلهم، ويستثمرونها في علمٍ أو عبادةٍ أو عملٍ صالح. أمّا الغافلون فيتركونها تتسرّب من بين أيديهم في لهوٍ وانشغالٍ بما لا ينفع، فلا يشعرون بقيمتها إلّا ساعةَ الندم
ولا شكَّ أنَّ العلمَ والمعرفةَ ميراثُ الأنبياء؛ فمن مظاهر هذا المثل أيضًا أنَّ الكتبَ والمجالسَ العلميةَ كنوزٌ عظيمة. العارفُ يُدرك أنَّها زادُ العمرِ وبابُ المجد، فيسعى إليها ويغتنمها، بينما الغافلُ قد يراها أوراقاً ساكنةً أو مجالسَ عابرة، فيفقد بذلك زاداً كان سيبقى معه مدى الحياة
وبما أنّ الصحّةَ والعافيةَ تاجٌ لا يُرى؛ فإنّ الكلَّ يَعلم أنّهما تاجٌ على رؤوس الأصحّاء، لا يراه إلّا المرضى. العارفُ يشكر اللهَ عليهما، ويحافظ على بدنه، ويُقدِّر عافيته، أمّا الغافلُ فيستهلك صحّتَه في غفلة، فإذا أصابه المرضُ أدرك قيمةَ ما فرَّط فيه.
ولا يمكن التغافلُ عن أنّ الأهلَ والأحبابَ كنزُ العلاقات؛ فوجودُهم من أعظم الكنوز. فالعارفُ يبرُّ والديه، ويصلُ رحمه، ويحافظُ على روابط المودّة، فينعمُ بدفء هذه العلاقة. أمّا الغافلُ فقد ينشغل بدنياه حتى يفقدهم، فيجدُ نفسَه أمام فراغٍ لا يملؤه شيء
أمّا الوطنُ والأمنُ فنعمةٌ يغفل عنها كثيرون؛ فأعظمُ الكنوزِ التي يُعرض عنها بعضُ الناس نعمةُ الأمنِ والوطن. العارفُ يراها ركناً أساسيّاً للحياة الكريمة، فيحمد اللهَ عليها ويذود عنها بما استطاع. أمّا الغافلُ فلا يعرف قيمتَها إلّا إذا عاش فقدَها، أو رأى مَن حوله ممّن حُرِموا هذه النعمة
ولعلّنا نتطرّقُ إلى بعض الأمثلة من واقعنا المعاصر؛ فشابٌّ يملك هاتفًا ذكيّاً فيه آلافُ الكتبِ والدروس، يستعمله الغافلُ للهو، بينما يُحوِّله العارفُ إلى مكتبةٍ متنقِّلةٍ يتزوّد منها علماً. وبعضُ الناس يمرّون على كبارِ السنّ فلا يرون إلّا أجساداً هَرِمة، أمّا العارفُ فيرى خبرةَ السنينِ وحكمةَ التجارب. ومن يعيش بين جبالٍ وطبيعةٍ خلّابة قد يراها مألوفةً عاديّة، لكنّ العارفَ يُبصر فيها آياتِ اللهِ وجمالَ قدرتِه.
ونختمُ القولَ ليتّضح أنَّ الكنزَ ليس في جوهرِ الأشياء وحدَه، بل في عيونِ مَن يراها ويقدِّرها. فالمثلُ يُذكِّرنا بأنَّ القيمةَ تُصنَع بالوعي لا بالاعتياد، وبالعُرفان لا بالغفلة.
فلنكنْ من أهلِ البصيرة الذين يرَون في نعمِ الله كنوزاً ويحافظون عليها قبل ضياعها، لا من الغافلين الذين لا يُدركون قيمتَها إلّا بعد فقدِها.
اللَّهُمَّ لا تجعلنا من الغافلين، واجعلنا لنعمائِك من الشاكرين، ولآلائِك من الذاكرين، ولجلالِك من المسبِّحين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً