كتاب لاتحزن
ٱلتَّعَلُّمُ لَا يَنتَهِي أَبَدًا – Learning Never Ends

ٱلتَّعَلُّمُ لَا يَنتَهِي أَبَدًا – Learning Never Ends

حجم الخط

 

مع إشراقة عامٍ دراسيٍّ جديد ١٤٤٧هـ، نستقبل أيام العلم والأمل ونستشعر رسالته العميقة: أن التعلّم لا يعرف نهاية، بل هو مسيرة ممتدة ما دام في الصدر نفس يتردد. وإهداءً إلى روح سعادة اللواء الطيّار صالح رفيع – رحمه الله – الذي أورث القلوب بذرة صدقٍ أزهرت علماً، وأفاضت تواضعاً باقياً ما بقي الذكر. ففي عام 1409هـ، وبعد أن وضعتُ قدميَّ على أولى عتبات السماء، متخرجاً من كلية الملك فيصل الجوية، سمعتُ من مدربي سعادة اللواء الطيّار صالح رفيع – رحمه الله – عبارة لم تكن كغيرها:

“التعلُّم لا ينتهي – Learning Never Ends.”

كانت العبارة قصيرةً في حروفها، لكنها عميقة في جذورها، ضاربةً في عمق التجربة الإنسانية والوجود البشري. ومنذ ذلك اليوم، وهي تتردد في داخلي مع كل إشراقة صباح، ومع كل تجربة جديدة أعيشها. كم من مرةٍ حسبتُ أنني قد بلغتُ من العلم مبلغاً، فإذا بي أكتشف جهلي أمام معلومةٍ جديدة، أو تقنية غير مسبوقة، أو فكرة تُقلب ما كنت أظنه يقيناً!. فالعلم بحر، والجهل أطواق نجاة، متى ما عرفنا أننا نغرق إن توقفنا عن السباحة. بمعنى أن الحياة الفكرية والمعرفية لا تقوم إلا على السعي الدائم للتعلم؛ فمن توقف عن طلب العلم فقد بدأ يغرق في الجهل، حتى وإن ظن أن الجهل طوق نجاة، فإنه في الحقيقة مجرّد وهم يطفو به لحظة ثم يغرقه.

أصل الفكرة: فطرة التعلُّم في الإنسان حيث خلق الله الإنسان وفيه نزعة فطرية نحو التعلُّم. قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [النحل: 78]

فالعقل يولَد صفحةً بيضاء، يُكتب فيها عبر التجربة والملاحظة والتأمل والسؤال. ولذلك، كانت أول آية نزلت من السماء أمراً مباشراً بالتعلُّم:

﴿ اقْرَأْ ﴾

اقرأ لترتقي، لتعرف، لتعي أن الحياة ليست حالة سكون، بل مسيرة نهوض دائم. ومن الشواهد التاريخية: حضارات بُنيت على المعرفة، فالحضارات التي خلدها التاريخ لم تكن فقط منازل شاهقة أو جيوشاً جرّارة، بل كانت عصوراً علميةً ونقلةً معرفية عظيمة.

ففي بغداد، ازدهر بيت الحكمة كمركز علمي عالمي، جمع فيه الخليفة المأمون أعظم العقول لترجمة علوم اليونان والرومان، ومنها انطلقت شرارة الإبداع الإسلامي.

وفي قرطبة والأندلس، كانت المكتبات تُعد بالآلاف، وشهدت الجامعات تعليم الطب والفلك والفلسفة، بينما كانت أوروبا غارقة في عصور الظلام.

أما في الحاضر، فدولٌ ككوريا الجنوبية وسنغافورة نهضت من أنقاض الفقر إلى مصافّ دول التكنولوجيا بالتعليم والتدريب والتطوير المستمر.

وهنا شاهدٌ من مجال الطيران: التعلّم لا يتوقف. دعوني أورد مثالًا من مجال الطيران بحكم تخصّصي، حيث نجد فيه درساً عميقًا في استمرارية العلم: في مجال الطيران – ذلك الفن الذي لا يقبل الخطأ – لا يتوقف الطيار عن التعلم بعد التخرج، بل يخضع لاختبارات دورية، ويُحدّث معرفته باستمرار، ويقرأ عن نظم الملاحة الجديدة، ويتدرب على أجهزة محاكاة تتغير باستمرار. ولعل أعمق درس يتلقاه الطيار هو أن السماء لا ترحم الغافلين، كما أن الجهل لا يرحم المتوقفين عن التعلُّم.

وهيا بنا نستشرف آفاق المستقبل: الذكاء الاصطناعي وثورة العقول.

نحن اليوم نشهد طفرةً لا مثيل لها في مجال الذكاء الاصطناعي: برمجيات تفكر، أجهزة تتعلم، طائرات تطير دون طيار، وعقول إلكترونية تتخذ قرارات في أجزاء من الثانية. وتطورعلم النانو؛ لكن رغم هذا كله، يظل الإنسان هو من علم الآلة ووجّهها.

ولن تملك الآلة تلك الروح الباحثة التي تستشعر عظمة الله في تفاصيل الكون، ولن تنمو فيها الرغبة النبيلة في المعرفة، كما هو الحال عند الإنسان حين يطلب العلم لوجه الله وخدمة عباده.

وإن كان الذكاء الاصطناعي سيتفوّق في سرعة المعالجة، فإن قلب الإنسان لا يزال يتفوّق في نية التعلُّم وتواضع المتعلّمين.

خاتمة: لا يتوقف التعلُّم أبداً…

إن تواضع العلماء وسموّ المتعلمين يتجلى كلما ازددتَ علماً، زاد إحساسك بقصور المعرفة. وهذا ليس ضعفاً، بل هو عين القوة، لأن الاعتراف بعدم الاكتفاء هو أول خطوة نحو التقدّم. فما من عظيمٍ إلا وكان تلميذاً يوماً، وما من قائدٍ مُلهمٍ إلا وكان يجلس يوماً حيث يجلس الطلبة الآن.

لذا، أوصي نفسي ومن يقرأ:

ألا يتوقف عن التعلُّم. اقرأ، اسأل، جرّب، تطوّر، ناقش، واستمع. وابذل جهدك في أن تكون طالباً لا يتقاعد من طلب العلم حتى يلقى الله.

واختم القول مرةً أخرى بأن أُعيد على مسامعكم الكلمة التي شكّلتني، وسأرددها ما حييت:

Learning Never Ends.

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية