كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
الألفاظ القرنية: لغةٌ من رائحة الأرض وذاكرة الجبال

الألفاظ القرنية: لغةٌ من رائحة الأرض وذاكرة الجبال

حجم الخط

ما أروع أن يتقدّم الشاعر سعد بن شبرين (أبا صقر) بخطواتٍ راسخة في طريق الوفاء، وهو ينتشل من الزمن الجميل مفرداتٍ قرنية عابقة بأصوات الأجداد، ويقدّمها لنا على طبقٍ من الشعر والتراث، وكأنه يُرينا لسان الجنوب وهو ينطق بالأصالة في زمن الحداثة المتسرّعة.

هذه الكلمات ليست مجرد لهجة دارجة، بل هي شيفرات ثقافية، وحجارة زاوية في بناء الهوية الجنوبية. إنها رائحة الطين بعد “ميح السماء”، وصوت الجدّة وهي تهمس بالأدعية وقت الفجر، وخشونة يد الراعي حين يعلّق “ياريه” على ظهر الجمل.

كل كلمة تنتمي لهذه الذاكرة ليست محض حكاية لغوية، بل نافذة على نمط حياةٍ فريد. وسنحاول إلى ان نتطرق ونقدم عرضاً أدبيّاً لبعض هذه المفردات، كما لو كنتَ تعبر من دربٍ إلى آخر في قرى جبال السروات. وهنا يمكن أن نقوم بتقسيم تلك المفردات وإلقاء الضوء عليها حسب المجالات التي تستخدم فيها كما يلي:

اولاً . مفردات تنبض بالحياة.

١. يتسلبّى: يمشي بخفةٍ كالنسيم، يُخفي خطواته كأنّه يختبئ من ضوء القمر.

٢. وحياه (حيتاه): نداء الزمن الغابر؛ حين لم يكن هناك تقويمٌ إلا ظلال الجبال.

٣. ريض (وأري لي): كلمات الانتظار النبيل، لا استعجال فيها، بل فسحة قلب.

٤. تحاوبوه: التكاتف كما لم تعرفه كتب الاجتماع؛ رجال الحارة يجتمعون على المظلوم والضعيف والغريب.

٥.الكرتوعة: الخشبة الدائرية، أداة العطاء والكدّ، شاهدة على كل ما دار في فلك البيوت الطينية؛ وقت تكون جذور الشجرة الكبيرة مع القليل من ساق الشجرة والتي يصعب غالبا استخراجها من الأرض، وقد تستخدم حطب.

 

‏ثانيا. الكلمات التي تستخدم فقد تكون -لغة من الحقول والسقائف:

١. دعب: لا تعني السقوط فقط، بل علاقة الجسد بالأرض؛ انحدار السيل من مجرى السيول.

٢. يذ: تجهيزٌ هادئ قبل المعركة أو المشوار.

٣. يبيلو وشذيبو: علف الجِمال من الشجر، حيث الرزق ينبت في أقسى البيئات.

٤. محوَقة ومَثْرة: المكنسة الكبيرة والصغيرة، رمزان للترتيب والنظافة في البيوت التي كانت تزيّنها البساطة.

‏ثالثا. مفردات توحي بالحالة والعاطفة:

١. يفات: أي بمعنى “يعني”، لكنها تُقال بعفوية تُضفي على الحديث روحاً محلية.

٢. ما باتناقف؟: ليست مجرد استنكار، بل عتابٌ تربويٌّ فيه نبرة الأم.

٣. يفغَر أو أنشتر: الانشقاق المفاجئ، كما تنشق السحابة عن مطرها.

٣. تخربط وتخنطل: عثرات الطفولة، وسقطات المزارع بين الأحجار.

‏رابعاً. بين الأرض والسماء:

١. امحدَبة: الأرض التي تشبه ظهر النعامة، تموج وتعلو كأنها تختبئ من السيل.

٢. مَدره أو كدرة أوكدراية: ليست مجرد تربة، بل طبقات من الطين تعبت منها المجارف.

٣. يلاغو: قشور العرعر، عطر الجبال الذي لا تبيعه العطّارات.

خامساً. في اللسان الجنوبي حِكم لا تموت، وعبارات تحمل من الحكمة ما يكفي لبناء فلسفة حياةٍ كاملة، قيلت في المجالس، وغنّاها الرُّعاة، وردّدها الطُّلاب، وهي اليوم ميراث لمن أراد أن يفهم الجوهر:

١. شيء بلاش ربحه بيّن.

٢.اللي يبغى الدّح ما يقول أح.

٣. انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.

٤.الحي يحييك، والميت يزيدك غبن

ونختم القول أن كلما تقدم يعتبر مشروعٌ حيّ، لا ذاكرةٌ صامتة؛ وإنّ جهد أبي صقر، وغيره من الحريصين، لا ينبغي أن يبقى اجتهاداً فردياً. بل هو نواةٌ لمشروعٍ ثقافيٍّ جامع، يمكن أن يُتَرجم إلى:

١. معجم مصوّر يوثّق الكلمة وصورتها وموقعها في الحياة.

٢. منصّة صوتيّة تسجّل اللهجة بالنطق الأصيل.

٣. سلسلة مقاطع مرئية يُعَرّف بها الجيل الجديد بلغة معاصرة، دون أن تخلع عباءتها التراثية.

وأخيرا…إنّ هذه المفردات ليست غريبة، بل هي منّا وفينا؛ بعضها يُقال دون أن نعرف قدره، وبعضها بدأ يتلاشى من أطراف ألسنتنا، لكنه ما زال حيّاً في ذاكرة الجدّات ودفاتر الرواة. فلنمدّ له الحبل، ونرفعه من قاع النسيان إلى صدر الحكاية.

فالتراث لا يُصان بالصمت، بل يُروى ويُكتب ويُقال…هذا أقل ما يمكن أن نقدّمه لمن غرسوا فينا هذه اللغة الطيّبة.

 

← العودة للرئيسية