كتاب لاتحزن
على مشارف قبر

على مشارف قبر

حجم الخط

~~

…/ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر، إلا وأقف على مشارف مقبرة وأنحني على فوهة قبر، مشاركاً في مواراة راحل قريباً كان أو بعيداً ،، المهم أنه جسد ميت مسجى بين ايدي اجساد تتحرك ، وقد كان من قبل مثلهم يتنفس ويتحرك ، ثم اصبح بين عشية وضحاها، هكذا ليس له من الامر شيء وليس له في الامر حيلة ..! وعما قريب سيكون هؤلاء مثله ، ويكون مثلهم من يتحكم باجسادهم ويعتني بجنائزهم .

وهذه الاجساد التي اطالعها بين الحين والاخر ، والتي نعتني بها عند مواراتها الثرى ، منها من بلغ من العمر عتياً ومنها من لازال في المهد ومنها مابين ذلك تتفاوت ايام وسنين مكوثها حية على الارض ،، كمأ ان منها الذكر وفيها الانثى ، منها الحبيب بالسبب وفيها القريب بالنسب، تتفاوت صلة القرابة لكل مشارف على القبر كما تتفاوت درجة المصيبة وشدة الالم ..! ،، كدت هنآآ أن استرسل في وصف المشاهد وترجمة المشاعر ، وأنسى ما أنا بصدده ،.،.،.،!

نعـــم : فالذي أستفزني وانا احد شهود فوهة القبر ، والجنازة تُقبل تتهادى وهي محمولة على الاكتآف ، ثم تتناولها الايدي وتدحرجها رويداً رويداً حتى { توسدها الترآآب ثم تهيل عليها الترآآب } ..! هو أنني تخيلت جسدي مكان هذا الجسد ورأيت محلي محل تلك الجنازة ،، وتساءلت : تُرى مَن مِن تلك الايآآدي ستتناولني وتسجيني مثل هذه الحفرة ، هل هي يد ذاك الشايب الذي يكبرني بعقود ، أم هي يد ذلك الفتى الذي يصغرني بعقود ،،، أم هو ذاك الطفل الذي بالكآآد يستوعب الحدث ،، وكيف سيكون المشهد وماهو مناخ الجو ، أتكون الدنيا ممطرة ، أم هاجرة ،،، ليلاً سأنزل الى القبر أم في وضح النهار ، وما هي لون المشاعر التي تحيط بي أو شكل العواطف ، كيف يكون انهمار الدموع ، غزيرا أم لمماً ، صادقاً أو متصنعاً ،، أم ان الجفاف سيضرب المحاجر والصحو يعلو المئاقي .؟.؟.؟.؟.؟.

الله الله ،، كم تراودني مثل هذه الاسئلة وانا على مشارف القبر وفوق صفائح اللحد في كل مرة احضر لتوديع هالك أو هالكة ..!!

حتى أنني أكاد اذهب بروحي الى عالم غير عالم المقبرة ، وأتخطى بخيالي الى اهوال القبر وسؤال منكر ونكير ، بل الى قنطرة السراط وأهوال يوم الحسآآب .. 

وأعلم أن الكثير من الحاضرين هم مثلي تماماً وربما أكثر مني تفكراً وأشد ألماً، ولكنني لا أذهب إلا الى دائرة عملي ودفتر حساباتي فقط.

ولكن/ ينتشلني احياناً من هذه الحالة تذكري بأن لحظة المنية ومكان الحفرة هما في علم الغيب ، فلا أحد يعرف متى ستكون الساعة أو بأي ارض تأتي تُقبض الروح سوى علام الغيوب سبحانه وتعالى، فليس كل ميت ضمن له القبر المغطى أو الكفن المعطر ، بل إن في قاع البحار كثير من الاجساد البالية وفي عمق الصحاري مثلها من الهياكل المتناثرة ، ولا ننسى أن بعض البشر ذهب هباءاً منثوراً بين رماد النيران ولهيب الحرائق ..! 

إذن : فلا ضمان بان المأوى لابد ان يكون قبراً ولا أن الميتة لابد ان تكون معتادة ،، ولا حول ولا قوة إلا بالله ،،.

وانا لو علمت أي الايادي ستتناول جنازتي أو اي الانامل ستتعامل معى جسدي البالي، لبدأت من الان في التودد لها، وترجيها في تعلم الطريقة المثلى في كيفية التعامل معي، أقصد مع المرحوم "أنا".

*مخرج:

…. لولا اليقين بأن رحمة الله وسعت كل شيءٍ، وأنه سبحانه "يضحكُ من قنوط عبادهِ" لأماتنا القنوط، الف مرة ومرة، قبل أن نموت.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية