كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
الرَحيل المُرّ ..

الرَحيل المُرّ ..

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري

---------------

جَميعُنا كمُسلمين نُدركُ أن اللهَ الحَقَّ ، ووعدَه الحَقُّ ، وقولَه الحَقُّ ، ولقاءَه الحَقُّ ، والجَنَّةَ حَقٌّ ، والنارَ حقٌّ ، والنَّبيين حَقٌّ ، ومحمدًا صلى الله عليه وسلّم حَقٌّ ، والسَّاعةَ حَقٌّ ، وأن اللهَ يبعثُ من في القبور . 

ثُمَّ أننا لا نَجزَعُ عندَ الصَدمَةِ وحُصولِ المصيبةِ فذلك قضاءٌ وابتلاءٌ من اللهِ سُبحانه لعبادِه .

يقول اللهُ جَلَّ في عُلاه :

(( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) .

فلا نَقولُ ألا ما يُرضي رَبَنا ، واللهم أجِرنا في مُصيبتِنا والحمدُ لله على كل حال . 

مع كل هذا اليَقين فقد كان يوم الخميس الماضي يومًا عَصيبًا علينا جميعًا حين داهَمَنا نبأُ رَحيلِ العمّ عبدالله بن محمد بن شايح الذي أنتقل إلى رحمةِ الله ، فنزلَ الخَبرُ كالصاعقةِ على كل مُحبّيه ، هذا الرَجُل العُصامي المُكافِح طيلة ما يزيدُ عن التسعين عامًا ، هذا البَارُّ بوالديه ، والمربي الفاضِل لأبنائه ، والشَهمُ مع أنسابِه ، والكريمُ في بيته .

أقولُ توفّي عليه شآبيبُ الرحمةِ والغُفران بروحِه وجسدِه ، لكنه لم يمُت في قلوبِنا وعقولِنا ، فذكراهُ العَطِرَة سيبقى عُبقُها فينا ما حيينا ، لم يمُت .. فقد تَرَك فينا رِجالاً نورَهم ساطعٌ في كل مكان ، رِجالًا يحمِلون اسمَه حين أعدَّهم وبنى منهم أبطالاً في هذه الحَياةِ ثم مَضَى بهدوء .

شَهِدتُ عَزاءَ العَم عبدالله بالأمسِ في سُرادِق الجَبلِ الأحمر بمنزلَه العامِر في ثماء ، وقد تزاحَمَت الأكتافُ ، وامتلَأ الجامعُ قَبلَ ذلك بالصلاةِ على جنازتِه رحمَه اللهُ فلم يعُد هناك مجالٌ لدخولِ المُصلين للداخل ، وامتلَأت المَقبرةُ بالمشيّعين في مَشهدٍ عظيمٍ وفَاءً وعِرفانًا لهذا الفقيدِ العظيم ، وبَيانًا من قلوبِهم بأنَّهم شُهَداءُ اللهِ في أرضِه .

أنتقلْنا من سُرادِق العَزاءِ لأداءِ صلاةِ المَغربِ في مسجدِ العم عبدالله رحِمَه اللهَ وكنت أُقَلِّبُ ناظرَي في أرجاءِ هذا المسجدِ وكأني المحرابَ يئنُّ مفتقدًا العم عبدالله الذي لم يبقَ إلا مكانَه في الصَف الأوَّل وباكيًا إنقطاعَ تهليلاتِها المُتكرِّرةِ والمعهودَةِ في هذا المكان الطاهر الذي أرتَبطَ به طويلا .

لَفَّ الحُزنُ على نفسي كما أحاط بغيري ، وزادَت وطأتُه عندما وقَف والدي حفِظه اللهُ في المسجد ودَعَا للعم عبدالله بالرحمةِ ثم تذكَّرَ السبعةَ عقودٍ من الزمن المتمثلةَ في ( عَنوُة عبدالله ) وأنه كان مثالاً لأطيب عانيةٍ في تعامُلِه وشهامتِه ومحبتِه ، قالها من قلبه الحزين في وقفَةِ شيخٍ مُسِن أختصَرَ فيها شريطَ ذكريات تلك العقود ، فما أوسعَ الحُزن وما أضيقَ اللغة في مثل هذا الموقفِ الأليم ، أرتجَلَها في كلماتٍ صادقةٍ وَقَرَت في قلوبِ الحاضرين وأغرَورقَت منها محاجرُ عيونِ الحاضرين ، فألتَفَّ حولَه أبناءُ العَم عبدالله الأفذاذُ وكأنهم يواسون قلبَه الضعيفَ برغم ما يحملونه هم من الحُزن .

كنت أنظرُ لوجوهِ هولاءِ الأبطال وكأن لسانَ حالِ كُل فَردٍ منهم - بعد الإيمانِ بقضاءِ الله - يقول كما قال من فقَدَ عزيز :

الغياب اللي تَمَثنى واخذ حلو الوصال ..

ماحسَب لجروحي الدامية وفتوقها

ماعَطَى لاحلام عمري بعد غابوا مجال ..

حَطَّم احلامي بَعَدْهم وحَطَُم شوقها

آه ليت الموت ما مَر سَمحين القِبال ..

كان الاحزان البليغة سلِمت طروقها

وآه ليت الموت ما ياخذ زحول الرجال ..

كان ماهَدَّت عيال الرخوم سبوقها

خاطري ماهو بطيِّب ولا مرتاح بال ..

والعرب ماعاد لي شَّفْ في منطوقها

آتظاهر بالسعادة وأقول الحَال عَال ..

وإلا أنا ضايق والاخلاق طايح سوقها

كل ما اذكر حَزَّة العَصر يوم الظِّل مال ..

يومْ ساعات المفارَق تلوح بروقها

كِن ماحولي من الناسْ ناسْ ولا تزال ..

عايشه في الأرض هَذي وتمشي فوقها

وجْد حالي ليت لا قُلْت للماضي تعال ..

يرجع الماضي والأيام يرجع ذوقها 

رحِمَ اللهُ العَمَّ عبدالله بن محمد بن شايح وعفى عنه وغفر ذنبه وأسكنه الفردوس الأعلى من الجَنة ، وربَطَ على قلوبِ أهلِه وذويه وكُلِّ مُحبيه .

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية