كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
جُروحُ الروح

جُروحُ الروح

حجم الخط

 

 كتبه : أبو مشاري

تَجمعُنا أرضٌ واحدة ، وتُلحِفُنا السماءُ الدنيا ، وهذا قَدَرُ الله في هذا الملكوتِ العظيمِ حين جعلَنا أجسادً حيّةً بأرواحِها مترابطةً في شئونِها ومعيشتِها ، وهدانا سُبُلَ السلام ، وبيّن لنا كيف نتعامل مع بعضنا بما يضمن لنا حياةً كريمةً هانئة ، فلا يُكَدِّرها قَذىً ولا يُعكِّرها شائبة .

غير أن قُصورَنا كبشرٍ يقودُنا أو آحادَنا أحيانًا إلى بعض السلوكيات الخاطئة التي تؤثر على أرواحِنا فيتعدّى ذلك إلى نفوسِنا وأجسادِنا .

من أخطاءِ البعضِ هو جَرحَ أرواحِ الآخرين بتصرّفٍ غيرِ مقصودٍ أو كلمةٍ غيرِ محسوبة ، فتقع على الآخرين كوقعِ الرصاصِ حين يصيبُ أو يقتل .

 وهنا أسوقُ بعضَ الأمثلةِ لما تًمّ رصدُه من بعضِ السلوكياتِ الإجتماعيةِ الخاطئة :

أولًا : يزورُ أحدُنا مريضًا في المستشفى أو في بيتِه بنيةٍ حسَنةٍ نحسبه يبتغي أجرًا من الله ، ثم بجهلٍ أو بتساهلٍ تصدرُ منه عباراتٌ أو سلوكياتٌ لا تفيدُ المريضَ بل تَهزِمُ روحَه المُتعَبةَ أصلاً فيخرج وقد ترك أثرًا سيئاً عوضًا عن الهدفِ السامي من فضيلةِ الزيارةِ التي شرَعها اللهُ لرفعِ روحِ المريضِ المعنويةِ وإسعادِه بإلتفافِ الناسِ حوله ، فمن صور السلوكياتِ السلبيةِ عند زيارةِ المريض ما يلي :

١- أتى أحدُهم فسلّم ثم حَملَق بتركيز في المريض من رأسه إلى أخمص قدَميه وقال ( مالك ناخوك ؟ والله ما طِبت لي الوسلي عنك ) .

٢- دخل أخر فقطّبَ جبينَه وأظهرَ التفاجؤ بما رآه من تغييرٍ في جسمِ وشكلِ المريضِ بما يوحي للمريض أنه في وضعٍ خطير .

٣ - سلّم ثالثٌ ثم همَسَ في أذن المريض وقال ( ودّي إنك بتوَصّي حَدّك بعدن تعرف ، وظَلّ تشهَد بعد كل شوية ) . 

٤ - أتى مجموعةٌ وزاروا المريضَ وبينما بعضُهم يسلّم عليه تهامَس أثنان جانبًا فقال أحدُهم ( والله في خاطري من يوم يبَسَن مناطعوه ما عاد يذوق برد العافية ، عسى الله يلطُف بوه ) ، ويرد عليه المتهامسُ معه ويقول ( والله إنّي عِتّ بارى امّوت في عيونوه ، الله يحسن خاتمته ، لا إله إلا الله ) ، والتشاؤم بل والكلام به قد يسمعه المريض فتهزمُ وتنجرِحُ روحَه ثم تَقِلُّ مناعتُه ثم تتدهورُ صحتُه .

٥ - حَدُثني شخصيًا أحدُ المرضى قبل وفاته ( رحمه الله ) وكان يعاني من السرطان أجاركم الله يقول - وقد كان معروفًا بالفكاهةِ والمعشَرِ اللطيف - يقول ( زارني قبل شوي فلان وهو صديقُه ويمون عليه جدًا ، قال فلما شافني ما أتألم والحمدُ لله قال ( والله أن وِدّي إنك على الأقل بتقعُد كذيه إليلين تثير تذلِف ) يقصد ما يتألم والا الموت جاي جاي .

طيب .. هل مثل هذه السلوكيات وإن كانت من قِلّة من الناسِ نافعةٌ أم ضارة ؟ لا شك أنها سوف تأتي بآثارٍ عكسيةٍ لأهدافِ الزيارةِ وما شُرِعَت من أجلِه .

ثانيًا : يشتري أحدُ الناسِ سيارةً جديدةً أو مستعملة ، فيأتي أحدُ أصدقائه أو من أقاربِه أو أيُّ شخصٍ من معارفِه فيباركُ له في السيارةِ وينظرُ لها ويسألُ عن قيمتِها وموديلِها ثم يقول ( يا أخي أنت غلطان ، ليش ما قلت لي كِنت أعرف سيارة أفضل من هذي وأقل سعرًا منها ؟ 

يا أخي هذا النوع يصرف بنزين عليك بكثرة وكثير الأعطال وقطع غياره غالية ، لكن مذا بَعدَن نقول أنصَرَم امعِلم ويضرِب كفًا على كف ) فيُدخِل الألمَ على روحِ صاحبِ السيارةِ بدلًا من المباركةِ والدعاءِ لصاحبِها ، وكان الأولى أن يَضمُرَ ما في نفسِه فلم يُصبِح هناك فائدةٌ من الكلامِ بعد أن قُضِي الأمر .

ثالثًا : يبني أحدُ الناسِ بيتًا ويبذلُ مالَه وينهَمرُ عَرَقُه وينصرِفُ وقتُه ، وعندما يَفرُغُ من كلِّ ذلك يأتي أحدُهم ويبارك له ثم يقول ( تكْفَى .. ما وِدّي أنك حَطّيت المجلس بالطريقة هذي ، والصالة تكون فتحت لها باب من الجهة الثانية ، والمطبخ ذيه أنتهى موديله ، ماااااش ماش ، ودّي إلى ظلّ خِسِر الواحد أنه إما يثبت شِيّن بهيِتن والا .. والا يخلي ) إيوه .. وجهود صاحبنا هذا ؟ تروح هباءً مُنبَثّا ؟ ثم تنقلبُ سعادتُه بإتمامِ مًنزلِه إلى هَزيمةٍ رَوحانيةٍ مؤلمة .. وهكذا حالاتٌ بعد شراءِ الأراضي ، أو بعد الحصولِ على وظيفة ، وبعد إختيارِ أسمٍ لمولود .

إن الأرواحَ تحتاجُ منا دعمَها ورفعَها لا خُذلانَها ، وإن نفوسَ البشرِ تعكس ما تجدُه من الآخرين من الكلامِ والسلوكِ الطيّب ، وإن الأجسادَ ليست عَبقريّةً صامتةً بل هي كُتلَةٌ بَشَريّةٌ تتأثرُ وتستجيب ، والكلمةُ الطيّبةُ صدَقة ، ولقاؤك أخيك بوجهٍ طَلقٍ هو سُلوكٌ حَثّنا عليها دينُنا الحَنيف .

دُمتم نُبلاء .

← العودة للرئيسية