تَضحياتُ الحَنين
كتبه : أبو مشاري
كُنتُ وبعضُ أقرَاني حُدَثاءً عندما حضَرنا إحدى مناسباتِ القَرية ، وكان الجُلاسُ حينها لا تُلهيهم تقنياتُ الجوال ولا التلفازُ ولا غيرُ ذلك ، وحسبُهم في تسامُرِهم تجاذبُ أطرافِ الحديثِ أو لهوٌ بعرضةٍ أو بلونِ اللعب .
كان عددُ السُمّارِ تلكَ الليلةِ لا يُحفزّهم على أداءِ العرضة فأقتصروا على رواياتِ القِصص والأشعار ، وكان من بينهم شَيخٌ مِكثارٌ لأداء فريضة الحج ، معظمُها كان يسافرُ لأدائها سيرًا على الأقدام مما أكسَبَه الإحتكاكَ بالقبائلِ والمجتمعاتِ المختلفةِ ما بين المنطقةِ الجنوبيةِ ومكةَ المكرمة والنهلَ من ثقافاتِهم وتراثِهم .
أعتَدَلَ ذلك الشيخُ في جلسته ثم قال :
قبل العهد السعودي الميمون كان فيه واحد من أهل السراة رزَقَه الله بزوجةٍ صالحةٍ وجميلة ، وكانت حياتُهما مليئةً بالمودةٍ والإحسان .
وحدَث أن توفيَت تلك الزوجة بعد مدة ، فتملّك الزوجَ من الحُزنِ والهمِّ ما تنوءُ منه الجبال ، ثم أحجَم عن الزواج لإعتقاده بأنه لن يجدَ مثلها في كل الأوصاف ، وأضمَرَ في نفسه أنه لن يتزوج إلا بمن تشبه زوجته وإن طال الزمان .
وبعد مدة هامَ على وجهه في الأرض ثم قرّر أن يذهب للحج ، وفعلاً أتجه لمكة المكرمة وأدّى فريضة الحج ، وبينما كان يتسوق في سوق سويقة بمكة إذ بعينيه تقعان على شابّةٍ مع والدها وعائلتها يتجوّلون في السوق ، وإذا بها شبيهة زوجته الراحلة بالتمام ، فوقَعَت في قلبه وقرّر أن يتحدث معها لعلها ترضى به زوجًا لها ، وهو ما حدَث فقد قصَّ عليها قصته على عٌجالة وأنها بالفعل هي شبيهة زوجته ، فأُعجِبَت بوفائه وأبدَت موافقتَها ولكن قالت أنها من أهل اليمن وأنها أتت مع أسرتها للحج وأن أباها هو ذلك الموجود معهم وهو من أحد ولاة صنعاء ولن يرضى أن يزوّجها إلا من أسرتهم ، وقالت إن أستطَعت إقناعه فحيهلا .
( وكنت وأقراني نُنصِتُ للقصةِ بإستمتاعٍ ثم أستذكرتها لاحقاً مع كبارِ السن الذين حفظوها حتى حفظتها منهم وأنا فتىً صغير ) .
الشاهدُ أن ذلك الرجلَ ( بطلَ القصة ) تكلم مع والدِها ولكنه لم يوافق ، فقرّر أن يتبَعهم وأن يتزوجها بأية طريقة ، وجعل يسير وراءهم من بين حُجاج اليمن وهم عائدون لأرضِ اليمن حتى دخلوا صنعاء بعد أسابيع ودخلوا قَصرًا شاهِقًا عن كل البيوت .
فنامَ عندَ بئرٍ قريبةٍ من القصر حتى إذا ما أبلَجَ صباح اليوم التالي أتت إحدى العجائز إلى البئر ومعها قهوتُها وبعضُ حباتٍ من التمر فذهب إليها فصَبّت له فنجاناً من القهوة فشربها ثم وضع ريالين ( فرانسي ) في الفنجان فقالت أبشر يا غريب بطلبك ، فأخبرها بكل قصته من بدايتها وأنه يرغب الدخول لقصر تلك البنت ، فقالت أبشر ، وتسلّلَت العجوز للقصر وأبلغت البنت ( ليلى ) بأن الرجلَ هو من تحدث معها في مكة وأنه تبعهم حتى صنعاء ، فصنعَت ليلى تابوتًا من الخشَب وقالت للعجوز ضَعيه في التابوتِ وسأبلغُ الحُرّاس يجلبونه لي عندما يذهب والدي لعمله .
ثم قام أربعةٌ من الحُرّاس فحملوه ودخلوا به القصر وأستقبلَتهم ليلى في أسفل القصر ، وبينما هم يصعدون الدرج قال أحد الحراس : اااااه بُرّ أحمَر يشير إلى ثِقَل التابوت ، فقال الآخر : ااااااااه ذهَب أحمَر ، فقال الثالث : ااااااه دَمْ أحمَر فضربت ليلى الثالثَ فسكَت الجميعُ وأوصلوا التابوتَ لغرفتها في أعالي الأدوار ،
وفتَحَت ليلى التابوتَ وأتفقا على أن ينسِّقا للهروبِ إلى أرضِ الحجازِ عندما تسنح الفرصةُ لغرضِ زواج على سُنة الله ورسوله .
وذاتَ صباحٍ عاد الوالي على غير العادة وطرَقَ بابَ غرفة إبنته فحصل الإرتباكُ وفي النهاية قام الرجلُ بالقضاءِ على الوالي وتم التكتمُ على ما حصل حتى جَنَّ الليل فتدلّى هو وليلى من النافذة من ظَهر القصر المكون من عدةِ أدوار وهرَبا حتى وصَلا بعد أسابيع إلى ( خَبت البقَر ) بمكة ونزلا عند الشريف ( شُكْر بن هاشم ) الذي أحسنَ وفادتَهما . ثم أستغلا نومَه وسَرَيا ليلاً ثم ذهَبا إلى أحد القضاة وزوّج ليلى لهذا الرجل بإعتبار عدم وجود أهل لها .
بعدها بَنى هذا الزوج قصيدةً تُجسِّد رحلةَ العذابِ والمغامرةِ حتى حقّق أمنيتَه وتزوّج بمن تشبه زوجتَه الراحلة ، يقول في القصيدة :
تَسَوّقت في سوق السويقة عَشيةٍ ..
إلى وِن صَفرا اللون تسحَب ثيابها
فقُلت ارحبي يا زَين وفي اين دِيرتك ..
فقالت بصنعاء معشَقاتٍ ضبابها
فلُقنا بصنعاء لَوقة العود بالندى ..
شربنا بماها والتبسنا ثيابها
ويا كهلة الرحمن يا كهلة الرضا ..
من السِنّ الاول كثّر الله ثوابها
هبَتني مع ليلى ثمانين ليلةٍ ..
وباقي الليالي ما حصينا حسابها
وزادي من المَثلوث قِندٍ وحُنطةٍ ..
وهي من فواكه قابح الوجه جابها
قَعَدنا إلى الوالي مع الباب يدّعِي ..
يقول افتحي يا بنت مغلوق بابها
فقامَت تَلَوّى بي وقامت تقول لي ..
وعينيك نمسي تحت غاطي ترابها ؟!
فقلت ابلعي يا زين مَلّا تبلّعي ..
فانا غُدّة الشايب وغُدّة شبابها
وقلت أبلعي يا زين ملّا تبلّعي ..
فانا غُدّة العيس التي في كرابها
وقلت ابلعي يا زين ملّا تبلّعي ..
فانا جُغمَة القِطران مُرٍّ شرابها
وخلّيت واليها إلين مَدّ واختطى ..
فدرَّكْت واليها مع حِيل بابها
ضرَبتَه بحنفاين من ايدٍ مَنيعةٍ ..
ولا رَدّها من نحره الا نصابها
ودلّيت من ليلي ثلاثين طاقةٍ ..
ولو كان غيري هامةٍ ما ادّلى بها
عَمَدنا بها شُكر الشريف ابن هاشمِ ..
يداني رخال الضان ويغيثنا بها
وقال ارحبوا يا خَطْر خَطر الطوارفِ ..
من اين الصَبيّة يا صبي جيتنا بها ؟
فقلت الصبيّة أخت لي بنت عم لي ..
وباعطيكها من قُحّ بالٍ هَقا بها
وهو ما دَرا مَسرا كِنانٍ وغُربةٍ ..
ثمانين ليلة ذا قعَد لين جابها
سَرينا بها خَبت البقَر عَلّه المطر ..
تزاهَم نمارتها وتعوي ذيابها
وباختم نشيدي بالف صلّوا على النبي ..
وبه قُبّةٍ يا سَعْد من قِد لوَى بها .
ودمتم بِوُد ّ

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً