غُبَارٌ من أفْواهِ المَوتَى
كتبه : أبو مشاري
تستفزّني عباراتٌ قد عَفَى الزمنُ على مدلولاتِها بل وأكَلَ عليها وشَرِبَ حتى أُتخِم ..
عباراتٌ تستهوي الماضَويين بل وتلوي أعناقَ المبدعين لغرضِ إجترارِ الماضي وصَبغِه على كل نازلةٍ ، وتُحفِّزهم على إسقاطِ ذلك الماضي على كل ما هو جديد ، فإن توافق معهم وإلا فالرفض والمعارضة هما سيدا الموقف ..
- لم نكن نعرف هذا في زماننا .
- ما سمعنا بمثل ذلك من قبل .
- الله يميتنا على ما أحيانا عليه .
- راحوا الطيبين .
- هذه أمورٌ دخيلة علينا .
- تغيّر الزمان علينا
- فسَد الناسُ وهلَكوا .
- خَلّوها على مبنى الشايب
إلى غير ذلك من العبارات التي تُصادمُ مستجدات العصر وتدعو للتقوقع والإستكانة إما لجهلٍ أو لغرضٍ في نفسِ يعقوب .
نعلم أن هناك ثوابت لا تتغيرُ وأولها هو ثابت الدين الإسلاميِّ القويم ، لكن أن نرفضَ المتغيراتِ الحياتيةَ التي لا تتعارضُ مع ديننا بحجةِ أنها لم تكُن في زمنِ من كان قبلنا فتلك مَثلبةٌ لا ينبغي أن نسمحَ لها أن تفُتَّ في أعضَادِ الناجحين ، ولا أن تُشوِّشَ على عقولِ المبدعين أو تستنكِرَ توجهاتِ البلادِ المتماهيةِ مع متطلباتِ العصرِ وحاجةِ البلادِ والعبادِ والتي لا تتعارضُ مع ثوابتِنا الدينية .
أمَّا أنها لم تكُن فينا ولم نعهدها من قبل فتلك من وساوسِ الشيطانِ الرجيمِ أو من ضآلةِ الأفكار ، فلكل زمانٍ مخترعاتُه ومبتكراتُه الصناعيةُ والأدبيةُ والإجتماعيةٌ والإقتصادية ، وغيرُها من المجالات ، وتتطور من جيلٍ إلى جيل ، فيَفنَى جيلٌ ويأتي الآخرُ حتى يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها ، والجيلُ الحاليُّ غيرُ مُلزمٍ أن يكون نسخةً من سابقه ، ولا اللاحق أن يكون نسخةً مما نحن عليه ، فذاك كان وهذا كائنٌ والقادمُ ما سوف يكون ..
ومع عجلةِ التطوُّر التي تقودُها قيادتُنا الرشيدة في كل المجالات الإقتصاديةٍ والإجتماعيةِ وغيرها لا يُلزَمُ جيلٌ بجيلٍ ولا أوضاعٌ إجتماعيةٌ حاليةٌ بما سبقها إلا في الثوابت ، وإلا فلو أنكفأنا على أنفسِنا واكتفينا بما صنعَه غيرُنا من السابقين من العادات والسلوكيات والمستوى الإقتصادي والإجتماعي للوطن ، وإذا لم نخلق روافدَ إقتصاديةً تدعم النفط ، ولم نوجِد مناشطَ إجتماعيةً تُسعِد المجتمع ، وكذلك لو لم تكن الرؤيةُ المباركةُ أوجِدَت لعمل نقلةٍ نوعيةٍ لبلادِنا ومجتمعِنا السعودي ، ولو أنغلقنا على أنفسنا وأستسلمنا لما سلّمَه لنا من سبقونا ، لولا كل ذلك لأصبحَ الناسُ كُتلةُ بشريةً صامتةً هامِدةً جامدةً فلا عبقريةٌ تتطوَّر وتنمو ، ولا عقولٌ تُفكِّر للتقدّم للأمام ، ولو أستسلمنا لإنهزامياتِ المثبِّطين لأمسَينا في النهايةِ أمواتًا في ثيابِ أحياءٍ يُسيطرُ علينا فِكرٌ لا يلبَثُ أن يَمْزِجَ فضاءَنا بغُبارٍ من أفواهِ الموتى .
وتقبلوا أطيب ودادي .
