مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
نُقوشٌ من قَريتي الصَغيرة

نُقوشٌ من قَريتي الصَغيرة

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري

 كنت وشقيقي طِفلَين في مُقتَبل العُمر حين جعل لنا والدُنا حفظه الله مهمةً محدودةً في عطلة المدارس من كل سنة ضمن مهام الأسرة التي كانت تعاني شظف العيش على ضِفاف وادي ماسرة بقبيلةِ الحنيك كما هي كل قبائل المنطقة والمملكة بشكلٍ عام ..

الدورُ الذي كَلَّفَنا به والدُنا قبل ما ينيفُ على الخمسين عاماً كان يتمثّل في رَعي قَطيعٍ من الأغنام لا يزيدُ عددُها عن مجموع أصابع الإنسان ، وفي حدودِ القريةِ ومحاجرها وحقولِها وبشكلٍ يومي ، أي سبعة أيام في الأسبوع تتخللها صلاة الجمعة ثم نعود ..

ومن فضل الله على الخلائق كانت المراعي والمُسطَّحاتُ الخضراءُ آنذاك متوفرةً بشكلٍ أفضل من الوقت الحاضر فكانت شياهُنا تغدو كل يومٍ خِماصاً وتروحُ بِطانا ..

كُنّا في ذلك الزمان ندرس في المرحلة الإبتدائية ونظلّ ننتظر الإجازة لكي نلعبَ ونلهو مع أقراننا بعيداً عن جو الدراسةِ المشحونِ بالمسؤولياتِ وعن عذاباتِ سياطِ المعلمين ، في حين كان يرى والدُنا أن رعيَ الأغنام في تلك الإجازات هو أحد جوانب المحافظة علينا من مشاكل الفراغ .

لن أُبحِر في كل التفاصيل المحيطة ، ولكن سأتناول حالةً من السعادة كانت قد أخترقَت ذلك القيد المكاني والزماني ذات مساء ، حين بدأت الشمسُ تميلُ لتلامسَ قِمةَ ( قَرى الصيّاح ) الشامخ غرب قريتنا الحالمة آل شعران ، ثم تسلّلت أشعةُ تلك الشمس الذهبية مما جعل ظلالَ الأشجار وظلالَ جدران المزارع المرصوفة تترادف لتُشكِّل لوحةً جميلةً في الوادي تسُر الناظرين .

ذروةُ سعادتنا تلك كانت من خلال صوتُ أبينا وهو ينادينا من أمام بيتنا بنبرةٍ يسمعها كل من في ذلك الوادي الخالي من أيّة آلة صناعية قد يثير هديرُها ضوضاءَ المكان ، ولا يكاد يوجد أيُّ صوتٍ سوى هديل بعض يمامات الوادي المسمّاة باللهجة العامية في المنطقة ( الوَطَف ) والتي تتوزع فوق الأشجار وتنوح لبعضها تارةً وتطرِب تارةً أخرى  ..

 كان ينادينا والدُنا بأن نعودَ للبيتِ بشياهِنا على غير ميعاد العودة الذي أعتدنا عليه كل مساء  .

كِدنا نطيرُ من فرحٍ يشبه فرحَ طلابٍ صرَفوهم من المدرسة مبكرًا إضافةً إلى إشتمامِنا حينئذٍ رائحةَ تشويحِ رؤوسِ ومقادمِ الذبائحِ والذي كان يوصَف ذلك الشواء في المنطقة ( بالقذاقِذ ) والتي كانت تفوح من بيت جيراننا الذين كانت لديهم مناسبةٌ في ذلك المساء ، ولم يكُن يفصلنا عن البيوت سوى مسافة ثلاث مزارع متدرّجة فوق بعضها ، أي أننا لسنا بعيدين عن القرية ولا عن إشتمام ما يُعَدّ فيها من نوادر وأطايب الطعام .

لحظاتٌ سعيدةٌ ونحن نعود للبيت بشياهنا وفي دواخلنا يقينٌ بوجود مناسبةً في القرية لن تفوتَنا كما هي عادة أهل القرية في المناسبات .

صلّينا المغرب في مسجدنا الشمّاسي بعد أن كانت أمي _ رحمها الله _ قد أعدّت لنا ثيابَ المدرسة المحفوظة لنلبسها في تلك المناسبة ونذهب مع والدنا للجيران ، فألتبسنا وغطّينا رؤوسَنا بالكوافي الواسعة التي لا يكاد يمنعها من تدلّي أطرافها بشكلٍ أكبر إلا إتكاؤها على ( صواوين ) آذاننا الملفوحة بلهيب شمس النهار .

 ذهبنا للجيران وجلَسنا بجوار بعضنا مع أقرانِنا بأدبٍ في طَرَف المجلس المبني من الحجر وجعلنا نرقُب رجال القرية وهم يتوافدون واحداً تلو الآخر ، يحمل بعضهم فنجان قهوة يفيض بالبُن وآخرون يَحِلّون عُقَداً من أطراف عمائمهم ويخرجون منها حفناتٍ من البن ، والجميع يصبّون البن الذي كان يُسمَى النَوب يصبّونه في صحنٍ بوسط المجلس ثم يأخذون أماكنهم .

بدأ الحديث من الكبار ونحن نستمع ونتأمل قَسَماتِ وجوههم وما خطّه عليها الزمن ، ونوقِّر لحاهم المُعفاة والمخَضّب بعضُها فنتعلم ونسعد من كل ذلك .

يتداولون علومَ بعضهم عن كل أمور القرية وخارجها وأسواق حجاب والعلاية ويروون القصصَ والأشعارَ القديمةَ وهم يحتسون القهوة العربية قبل أن يؤتَى بإنائين من المرق ويبدأ الحاضرون في إرتشافه بواسطةِ فناجينِ القهوةِ الصينيةِ المزخرفة .

كأني أنظر الآن لذلكم المُسِنّ وهو يستخدم ما يسمى كيس النوم فيحيط به ظهره وركبتيه المنصوبتين إلى صدره النحيل ويسند ظهره على الجدار ، والآخر المتكئ على مُتكَئٍ يُزيّنه قماشُ من القطيفةِ ذو ألوانٍ زاهية حمراء وبيضاء ، والآخرين كلّ منهم له وضعيتُه التي أختارها .

صلّينا العِشاء ثم عُدنا لبيت المضيف فإذا به _ وهو الجار ذي القربى _  يُحضِر سُفرةً دائريةً مصنوعةً من سعَف النخيل يسميها البعض مَجْزأ أو مَيْزأ ، ثم يبدأ بتجزئة وتقسيم اللحم عليها وتوزيعه على الحاضرين وكلٍّ في مكانه قبل أن يُؤتَى لاحقاً بصحنٍ مملوءٍ بالأرُز الأبيض الذي قد تم طبخُهُ في ما تبقّى من مرق اللحم ، فيبدأ الكبار يأكلون من ذلك الأرُز الشهي ثم يتبعهم الصغار ثم الأصغرون .

وما أجمل حين يُدار الشاهي المُعدّ من فرط شاهي ربيع سيلان المكنوز في صندوقٍ خشبيٍ مطرّزٍ ببعض الأصباغ الزاهية ..

 أتفق الحاضرون على ممارسة لون اللعب كسهرةٍ معتادة في بعض المناسبات ، فيحلو المكانُ طَرباً مع ( وَليلِ المِهراس ) الذي يحمله أحدهم ليقوم مقام أجمل أورج إلكتروني حاليًا ، فينتعش الصَفّان ويندَى الصوت ويزدان التمايلُ والإنحناءات الرائعة من أولئك الكبار العِظام في منظرٍ لا زال يرتسمُ في ذاكرتي .

فيتغلب لونُ الغَزَلُ البريء على غيره من القصائد فيقول أحدهم :

شاقَني من هِب الطيبان من بين الضميمات ..

وهِبْ المستَكَة في نحر ثوبه والمسوكان 

بو محمد يقُل قلبي مريضِن وان ظمي مات ..

بالله يا اصفر محنّى مِدّ بيدك والمَسْ وكان 

ثم يصدح شاعرٌ آخر بالأماني فيقول  : 

 ياليت بو علياء مع اهل الكيف ..

 شَرطِنْ عليهم ما يمِلِّونه

ويكون والي الزَينْ في بِيرن ..

فيلا جِرِب يطلع يتلّونه .

ثم يعود بو محمد ليُغَرِّد قائلًا :

شاقني بِنّ عالفليان وَي له ماين اجرى ..

بالله يا ذِالمجهوي جَدّروا لي من هَبابي

بو محمد يقول آهِمّ فالطًلبة ولا اجرَى ..

واتمازا إلى مِنّي طَلبتَه والظَما بي 

وفي آخر السهرة السعيدة يكثّر الجميع في الخير ، بينما نسمع كل من خرج من الباب يصدح بكلمة التوحيد لا إله إلا الله بصوتٍ يُرسّخ هذا المعنى العقائدي في أذهانِ السامعين ..

وفي الظلامِ الدامسِ خارج البيت يتماهى إلى أسماعِنا قرعُ الحجارة بأطراف العِصي التي يحملها السارون ويتوكأون عليها ويتحسسون بها الطريق لتقديرِ خُطاهم لكيلا تَزِلُّ قدمُ أحدِهم بعد ثبوتها .

ولكم ودادي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية