كتاب لاتحزن
المْطَوَّعُ والبَدْلَة

المْطَوَّعُ والبَدْلَة

حجم الخط

 

 

كتبه : أبو مشاري

كنت في إحدى محطّاتي الوظيفية أعملُ مُديرًا مناوبًا في الفترة المسائية ( ٤ م - ١٢ليلًا ) في أحدِ مستشفيات جدة ..

وذات مساء حضر لمكتبي أحَدُ أفراد الحراسة ومعه رَجلٌ عليه سِماتُ الإلتزامِ فكان ذا لِحيةٍ كَثَّةٍ وثوبٍ قَصير ويضعُ فوقَ رأسه عِمامةً ( شماغًا دونما عِقال ) ثم بادرَ الحارسُ بالحديث قائلًا : هذا الأخ يُصِرُّ على الدخول لزيارة إحدى قريباتِه بعد نهايةِ وقتِ الزيارة ، وعندما لم نسمحْ له بذلك تلفّظَ علينا بألفاظٍ غير لائقة .

فنظرت للزائر فإذا به يتصبب عَرَقًا وتكاد عيناه تهاجران من جُمجمته من شدة الغضب ، فقلت للحارس : تستطيع أن تعود لعملك وطلبت من الزائر الجلوس على أريكة المكتب .

وما أن جلسَ حتى أبتسمْتُ له إبتسامةَ ترحيبٍ خفيفةٍ وقلت له : ما شاء الله عليك فقد شعرْت بوقارك منذ دخولك من باب المكتب ، ثم بدأت أتحدث معه مستشهدًا بآياتٍ وأحاديث في كل فقرة ، فوجدت وجهَه يتهلّل وبدأ يتحدث بإبتساماتٍ هادئة وتَبدَّلَ حالُه بالكامل بسبب الكلمة الطيبة والتعامل معه بما يُحِب ويُجيد .

ثم شرحت له أن القِسمَ الذي يريد  زيارته هو قسمٌ نسائي ، وبمُجرَّد إنتهاء الزيارة في العادةِ تعود المريضات لأخذ أوضاعهن الطبيعية مع بعضهن بدون عبايات حيث يتم إغلاق بوابة القسم فلا زائر يدخل القسم بعد ذلك ، وأنه لن يرضى أن يدخلَ زائرٌ آخرٌ بعد نهاية الزيارة وحال المريضات كذلك في القسم الذي تتواجد فيه قريبته ، فأقتنع وودَّعَني  وهو يقدم الشكرَ لي رغم عدم تلبيةِ طلبه .

وفي مَرَّةٍ أخرى أتى للمكتب شابٌّ يرتدي بَدلةً رياضيةٍ خضراءَ اللون ، وقال أن عدد مرضى الطوارئ كثير وأن أخته مريضة والطبيب رفض الكشف عليها ، فطلبت منه الجلوس ورفعت سماعة الهاتف وأتصلت على طبيب الطوارئ وأستفسرت منه عن سبب رفضه الكشف على المريضة ، فقال أنا لم أرفضْ ولكن قريبَ المريضة يُصِرُّ أن تدخلَ قريبتُه العيادة قبل المريضات اللاتي ينتظرن أدوارهن منذ ساعات وبحجةَ أنه معزوم ولا يستطيع الإنتظار ، رغم أن الحالة ليست عاجلة .

فهدّأتُ الشابَ وشرحتُ له الوضع ، وأمتدحت بدلتَه بلونها الذي يشبه لون فريقي المفضل ، فقال وأنا أشجع ذلك الفريق ثم تلاشت جذَوات النيران التي كانت مستعرةً في جوفه   وأقتنع وأطال الحديث معي عن المجال الرياضي ، ثم قال مُمازحًا : ( أجل ننتَظِر الدَور وطارت عليّ العزومة ) .

حينئذٍ تذكَّرت قول الله تعالى :

 ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا )..

وفي مثل هذه الحالات يجب أن يؤخذ في الإعتبارِ أن يكون الثناءُ والقولُ الحَسَن والمديحُ المحمود كلها تتناسب مع الشخصية التي أمامك فيتم إختيار مستوى الكلمة ونوع الثناء وفق معايير دقيقة مثل العمرِ والجِنسِ ومستوى الثناء والنبرة والنظرة  .

وذات مساءٍ تناولت مع الأسرة إحدى الوجبات من نوع الكبسة ، فنظرتُ لزوجتي وقلت لها : صحَّت يدك ما ألذَّها من كَبسَة ، فرأيت السعادةَ تكسوها وهي تقول (الله يجعل معها العافية) . 

وفي ذات مرّة ذهبت لأبتاعَ بعض الفواكة الطازجة في سبت العلاية ، فإذا بالبائع - وهو من إحدى الدول العربية - ثائرًا يتمتمُ ببعض الكلمات القاسية وكأن أحدًا سلَبَ منه سعادته فسلمت عليه وقلت : يا سلاااااام هذا هو الترتيب الجميل والعرض اللافت  للمحل ، فتبسّمَ وقال : واللهِ ؟

 ثم بدأ يتحدث معي بوجهٍ آخر وكأن ذلك الشخص الثائر قد رَحَل و جاء غيره إلى مكانه ، فتذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم :

( الكلمةُ الطيبةُ صدَقة ) .

ألقى أحدُهم قصيدةً رائعةً في إحدى المجموعات ( بالواتس آب ) فتفاعلت معه وقلت ماشاء الله صوتك جميل وقصيدتُك محبوكةٌ حبكًا ولا يكاد يكتفي منها أحد ، فعلّقَ على مداخلتي بعبارات تتقاطر سرورًا وبهجة وكأنني أهديت له هديةً ثمينةً ونادرة .

يقول أحدُهم :

في زيارتي لأختي في منزلها العامر ، تذوقت القهوةَ المهيَّلة فأعجبتني فقلت لها : طَعمُ القهوة يكيّف الرأس جدًا ، فارتسمَتْ الابتسامةُ عليها وبدأ السرور يتشكل ويضيء كالنور في وجهها .

أما تجربتي مع ذاتي ، فقد شاركت مرةً بمشاركة في إحدى وسائل التواصل الإجتماعي ، فأنهالت عليَّ سيولٌ من المداخلات التي تثني على مشاركتي ، فشعرتُ  بهرمونات السعادة الأربعة مجتمعةً وهي تملأ صدري دون أن أزهو أو تتملكَني خُيَلاء ، كل ذلك بسبب كلماتٍ حَسَنَةٍ فاحت من نفوسٍ طيّبةٍ زكيّة .

هنا تَجَلّى قوله صلى الله عليه وسلم :

( أحبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أنفعُهم للنَّاسِ ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلم .… ) .

فالكلمةُ الجميلةُ لها أثرٌ لا يعرفه الكثيرون وقد لا يتخيّلونه .

حَسَنًا ..

ما الذي يمنعُك أن تكون إيجابيّاً مع الناس ، تُدخِل السرورَ إلى نفوسِهم وترسُم الإبتسامةَ على وجوههم ؟

 لماذا البعضُ شحيحٌ كل الشُحِّ بالكلمة الطيبة وبَخيلٌ جدًا في إظهارها ، تشعُرُ بتجعُّدِ الإحساسِ لديه ، بل يضيقُ ذَرعًا حين يسمعُ أحدًا يقول للناس حُسْنا ، وفي المقابلِ نجِدهُ سريعَ الهجوم إذا ما وَجَدَ فرصةً سانحةً للإنتقاص والنقد والتجريح ؟

قال تعالى :

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) .

لقد أستمعَ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خير من طلعَت عليه الشمس للشاعر كعب بن زهير وهو يعتذرُ منه ويمتَدِحُه حتى أنتهى من قصيدتِه ثم أهداه بُردتَه ، ولذلك يقتدي به البعضُ في هذا الزمن حين يخلع أحدُهم ( بِشتَه ) ويُلبِسَهُ لمَن قال جميلًا في قصيدةٍ أو حُسنًا في كلام . 

لا تحبسْ الكلامَ الطيب في قلبك ، إمدح مَدحًا محمودا ، وتجنَّب مَدحَ الإرتزاقِ المذموم ، أثنِ على الفاعلين في المجتمع ، وادعُ الله لمن تراه أعطَى وبذَل ، وقُل خيرًا للجميع  فالكلام الطيب عبادةٌ وهِداية ، قال تعالى :

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) .

فالكلمةُ الطيبةُ هي مِفتاحٌ للقلوب ، وإماطةٌ للأذى عن مشاعرِ وقلوبِ النّاسِ لا يقلُّ درجةً عن إماطةِ الأذى عن دُروبِهم ، وأبذِلْ الكلمة الطيّبة ، وارسم البسَماتِ الرائقة ، وأدخل عليهم السرور .

 يقول الشيخ عايض القرني في إحدى تغريداته :

 ( أجبُرْالقلوبَ الكسيرة ، أَسْعِد النفوسَ الجريحة ‏وسوف تلقى الانشراحَ في صدرِك والبركةَ في رزقِك والسعادةَ في حياتِك ) .

‏فيا ليتنا نَجبُر الخواطر ، ونراعِي المشاعر ، وننتقي كلماتِنا ، ونتلطَّفُ في أفعالِنا ، ونطرد التَصَحُّر اللفظي من أفواهِنا ، وأن لا نَحبِسَ الطيِّبَ من القولِ ولا نحبِسَ العباد من قولهم الإحسان لبعضهم ، وأن لا نُؤلمَ أحَدًا فمنهم من ضغطَته الحياةُ حتى أستوَتْ ضلوعه فرُبَّ كلمةٍ طيّبةٍ تجبُرُ كَسْرَه  .

 

ودُمتُم زارِعين للوُدِّ والوَردِ والإسْعاد .

        


← العودة للرئيسية