التاج الأسنى .. حين تتحول المعرفة إلى وقفٍ يعانق السماء
نعم انه التاج الأسنى.. حين تتوج المعرفة بالإيمان؛ليست كل الكتب كتباً، وليست كل المؤلفات سواءً في الأثر والمنزلة والبقاء.
فكم من كتابٍ وُلد ثم مات يوم وُلد، وكم من مؤلَّفٍ ملأ رفوف المكتبات ولم يملأ قلباً واحداً، وكم من كلماتٍ سارت بين الناس أياماً ثم طواها النسيان كما تطوي الرياح آثار الأقدام على الرمال.
غير أن الله سبحانه يهيئ في بعض الأزمنة أعمالاً يكتب لها القبول، ويضع فيها من البركة ما يجعلها أكبر من أوراقٍ تُقرأ، وأبقى من حروفٍ تُكتب، وأوسع من أن تُحصر بين دفتي كتاب.
ومن هذه الأعمال التي أرى أنها من نفائس هذا العصر وكنوزه العلمية والإيمانية: «التاج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى».
هذا السفر العظيم الذي أبدعه فضيلة الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني ليس مجرد مشروع تأليف، بل هو رحلة عمرٍ كاملة سُكبت في أربعة مجلدات ضخمة تزيد عدد صفحاتها عن الفين ومئتان صفحة، ثمرة جهد قارب عقداً من الزمن قضاه المؤلف في البحث والتأمل والتدقيق والمراجعة والكتابة.
وحين تقع عينك على هذه المجلدات لأول وهلة تدرك أنك أمام عملٍ غير عادي، لكنك لا تكتشف حقيقة هذا المنجز إلا عندما تبدأ القراءة؛ فهناك ينتقل القارئ من عالم النظر إلى عالم الأثر، ومن الإعجاب بالحجم إلى الانبهار بالمضمون.
لقد اطلعت على جزءٍ من هذا العمل الكبير، فوجدت نفسي أمام بناءٍ علمي متين، وصياغةٍ أدبية آسرة، وثراءٍ معرفي قلّ أن يجتمع في كتابٍ واحد. رأيت القرآن الكريم يتصدر المشهد، والسنة النبوية تمده بالنور، وأقوال العلماء ترفده بالحكمة، وروائع الأدب العربي تكسوه جمالاً، واللطائف الإيمانية تنفخ فيه روحاً وحياة.
وما شدّني أكثر أن المؤلف لم يكتفِ بشرح أسماء الله الحسنى شرحاً علمياً مجرداً، بل جعل من كل اسمٍ باباً مفتوحاً إلى الله.
فأنت لا تقرأ الاسم فقط، بل تعيش معه.
ولا تعرف معناه فحسب، بل تشعر بأثره.
ولا تزداد علماً وحسب، بل تزداد قرباً ومحبةً وخشيةً وأنساً بالله جل في علاه.
فإذا بدأت القراءة في اسمٍ من أسماء الله الحسنى وجدت نفسك تنتقل من ضيق الأرض إلى سعة السماء، ومن ضوضاء الحياة إلى سكينة الإيمان، ومن مشاغل الدنيا المتراكمة إلى آفاقٍ عالية من التأمل في عظمة الخالق وكماله وجلاله.
هناك يشعر القلب أنه يتحرر من أثقاله.
وتشعر الروح أنها تستعيد موطنها الأول.
ويحس القارئ أنه يصعد درجةً بعد درجة في مدارج المعرفة بالله، حتى يكاد يلامس بقلبه معاني الرحمة والعزة والملك والجلال والكمال.
وهل في الوجود علمٌ أشرف من معرفة الله؟
وهل في الدنيا بابٌ أعظم من باب الأسماء الحسنى؟
إنها الأبواب التي يدخل منها المؤمن إلى محبة ربه، ويزداد بها يقينه، وتستقيم بها رؤيته للحياة، ويعرف بها من يعبده، ومن يرجوه، ومن يتوكل عليه، ومن يخافه، ومن يحسن الظن به.
ومن هنا تتجلى عظمة هذا المشروع؛ لأنه لا يقدم معلومة عابرة، بل يبني إنساناً، ويهذب روحاً، ويوقظ قلباً، ويصل المخلوق بخالقه.
ولا غرابة في ذلك.
فالشيخ الدكتور عائض القرني أحد أكثر المؤلفين تأثيراً في العالم الإسلامي المعاصر، وقد عرفه الملايين من خلال مؤلفاته التي تجاوزت حدود البلدان واللغات، وفي مقدمتها كتاب «لا تحزن» الذي أصبح ظاهرة ثقافية وإيمانية عالمية، إضافة إلى عشرات الكتب والمحاضرات والخطب التي تركت بصمتها في وجدان أجيال كاملة.
لكنني أرى أن «التاج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» يمثل محطة استثنائية في مسيرته العلمية؛ فهو ليس كتاب فكرة، ولا كتاب تجربة، ولا كتاب وعظٍ فحسب، بل مشروع عمرٍ اجتمعت فيه الخبرة الطويلة، والثقافة الواسعة، والنضج العلمي، وصفاء المقصد.
ولعل أكثر ما يبعث على الإعجاب أن هذا العمل لم يُقدَّم بوصفه مشروعاً تجارياً، ولا منتجاً استثمارياً، وإنما قُدِّم وقفاً لله تعالى.
وقفاً خالصاً يرجو به صاحبه ما عند الله.
وقفاً يراد به أن يبقى أثره بعد انقطاع الأعمار.
وقفاً لا يستهدف جيلاً واحداً، بل أجيالاً متعاقبة.
وهنا تتجلى الرؤية الأبعد والأعمق لهذا المشروع.
فالتاج الأسنى لا يراد له أن يبقى حبيس المطبوعات أو محدود الانتشار، بل يتطلع إلى الوصول إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وأعمارهم، عبر أفضل التقنيات وأحدث الوسائل الرقمية والمعرفية.
إنه مشروع يخاطب أكثر من مليارَي مسلم على كوكب الأرض.
ويطمح إلى أن تتحول أسماء الله الحسنى إلى رسالة عالمية متاحة للجميع.
كتاباً وصوتاً وصورةً وتطبيقاً ومنصةً ومادةً تعليمية ومحتوىً تفاعلياً ومشروعاتٍ معرفية لا تكاد تنتهي.
ولهذا فإنني لا أنظر إلى «التاج الأسنى» باعتباره أربعة مجلدات فحسب، بل أراه نواة مشروع حضاري كبير، ومصدراً متجدداً للمعرفة الإيمانية، ومنجماً تتولد منه عشرات المبادرات والبرامج والمنتجات التي يمكن أن تمتد آثارها لعقود طويلة بإذن الله.
إن الأمم تُعرف أحياناً بمشروعاتها الكبرى، ويُعرف الرجال أحياناً بأعمالٍ تتجاوز أعمارهم.
وأحسب أن هذا العمل المبارك من تلك الأعمال التي كتب الله لها أن تتجاوز عمر صاحبها، وأن تواصل رسالتها جيلاً بعد جيل.
وإذا كان لكل عصرٍ جواهره النفيسة، فإن «التاج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» جدير بأن يكون واحداً من الجواهر العلمية والإيمانية المضيئة في عصرنا؛ عملٌ يربط الأرض بالسماء، والعقل بالقلب، والعلم بالإيمان، والإنسان بربه.
وما أجمل أن يخرج من بين ضجيج الدنيا مشروعٌ كهذا، يذكر الناس بأعظم حقيقة في الوجود كله:
أن السعادة الحقيقية تبدأ من معرفة الله، وأن أعظم رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان ليست رحلةً في الأرض، ولا في الفضاء، بل رحلةٌ في معرفة رب الأرض والسماء.
