قصة عصامية وتقاليد لا تُنسى
عمتي معيضه، رحمة الله عليها، كانت مثالاً حياً للعصامية والقدرة على العيش بكرامة، وهي شقيقة والدي رحمه الله والتي عاشَت حياتها بكل استقلالية وجَلَد. عاشت في منزلها وحدها، لكنها لم تكن أبداً وحيدة؛ كان لها حضور خاص في حياة الجميع، وقلوب أهل القرية كانت مليئة بالحب والاحترام لها. كانت امرأة ذات قدرة عالية على تدبير شؤون حياتها، وكان لها العديد من العادات التي تميزها عن غيرها وتظل محفورة في ذاكرة الجميع.
الاستقلالية والعصامية:
كانت عمتي معيضه شخصية عصامية بامتياز، تعتمد على نفسها في كل شيء. لم يكن لها حاجة إلى أحد لتكسب قوتها، فكانت تسعى وراء رزقها بيدها، لا تكل ولا تمل. تعمل في الزراعة وتربية المواشي، وتستطيع تحويل أصغر شيء إلى مصدر رزق. كانت شجاعة في مواجهة صعاب الحياة، وعملها لم يكن فقط من أجل العيش، بل كان وسيلة للحفاظ على كرامتها واستقلالها.
زيارة الناس وحمل الطعام:
كانت عمتي معيضه تمتاز بسلوك لافت في تعاملها مع الناس. كان لديها عادة غريبة لكنها محببة: عندما تذهب لزيارة أحد، كانت تأخذ طعامها وقوتها معها وقهوتها في فنجان هيل وفنجان بن قهوة . كان هذا العمل يحمل في طياته معنى عميق من الاستقلالية والاعتماد على الذات. لم ترد أن تكون عبئًا على أحد، ولم تَحب أن تكون في موقف يضعها في موضع “المحتاج”، بل كانت تفضل أن تقدم ما تملك دون أن تطلب شيئًا.
طبق عيد الفطر المميز:
لكن، أكثر ما يميز عمتي معيضه كان تقليدها السنوي في عيد الفطر. في صباح هذا اليوم المبارك، كانت تقدم لنا ولأهل القرية إفطاراً مميزاً مختلفاً عن كل إفطار آخر. كان إفطارها في العيد يتمثل في طبق من الأرز المعد بشحوم الخرفان، وهي الطريقة التي كانت تطهو بها الطعام مع إضافة الفلفل الأسود. كانت تجمع الشحوم بنفسها، ثم تصنع منها الزيت الخاص (الحميس) الذي كان يجعل الطبق مميزاً، ويضفي عليه طعماً لا يُنسى.
هذا الطبق لم يكن مجرد طعام، بل كان جزءاً من تقاليد العيد في القرية، وذكرى عطرة في قلوب أهلها. كان الجميع ينتظر هذا الطبق بشوق بعد صلاة العيد، يتوافدون إلى منزلها لتهنئتها بالعيد وتناول هذه الوجبة الشهية.
حياة مليئة بالعطاء:
كانت عمتي معيضه شخصية معطاءة بطبعها. لم تكن تحب أن تنتظر المديح أو الشكر من الآخرين، لكنها في نفس الوقت كانت تسعد للغاية بتقديم ما تستطيع. كانت تعرف أن الطيبات ليست في الأطعمة فقط، بل في العلاقات الإنسانية، وفي الحب الذي يزرع في القلوب من خلال العطاء.
رحمها الله، كانت تزرع فينا جميعاً مفهوم العطاء بلا مقابل، والاستقلالية بكرامة، وأن الحياة لا تتوقف عند الصعاب، بل تكتمل رغم مصاعبها.
الذكرى العطرة:
رحلة عمتي معيضه في الحياة كانت مليئة بالعبر والتعلم، ورغم أنها رحلت عن الدنيا، إلا أن ذكراها ما زالت حاضرة في قلوبنا. تظل تلك الأيام التي كانت تملأ فيها منازلنا بصوتها وضحكتها وكرمها، تظل حية في ذاكرة أهل القرية. تلك العادة التي كانت تتمثل في إفطار العيد، لن تُنسى أبداً، وكلما جاء العيد، ذكرنا طعم تلك الوجبة وأثرها فينا، وتذكّرنا كيف كانت تجمع الناس على المودة والمحبة.
وقبل الختام أود أن أورد هذه القصة البسيطة:
عمتي (معيضه) رحمة الله عليها، كانت من الرعيل الأول الذين لم يعرفوا القراءة والكتابة، ولكنها كانت تحمل إيماناً عميقاً في قلبها، إيماناً فطرياً، إيمان العوام الذين صدقوا بما في قلوبهم.
في ذات يوم، قررت أن أمارس دور المعلم، ووقفت أمامها بكل حماس لأعلمها أسماء الله الحسنى. بدأت بترديد الأسماء، واستأذنتها قائلاً:
“سوف أعلمك أسماء الله الحسنى”، فقالت لي: “توكل، يعني ابدأ”.
فقلت لها: “الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس…”، فإذا بها توقِفني وتقول:
“توقف، توقف، الله الله، واحد، ما فيه إله غيره”.
لحظتها، شعرت وكأنني تلقيت درساً في الإيمان الصادق من عمتي، التي كانت تمثل لي نموذجاً للإيمان الحقيقي.
ثم أضافت: “اذهب، لا عاد تدرسني بهذه الطريقة، هذا هو إيماني، وهذه هي حقيقتي”.
رحم الله عمتي، فقد كانت هي المعلمة الحقيقية، وأنا من تعلمت منها.
ختاماً:
إن عمتي معيضه، هي نموذج حي لقوة الإرادة والقدرة على العيش بشكل كريم. تركت فينا دروساً كثيرة عن الاستقلالية، والتضحية، والعطاء، والكرم. رحمها الله رحمة واسعة، وجعل أعمالها الطيبة في ميزان حسناتها. رحم الله والدينا ووالديكم وجميع المسلمين والمسلمات.. ودمتم في محبة وود،،
