كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
بوصلةُ الحَياة

بوصلةُ الحَياة

حجم الخط

 

 كتبه : أبو مشاري

قبلَ يومين زُرتُ بينالي الفنون الإسلامية بجدة ، وصادفَ أن دَلَفتُ إلى المعرضِ ومعي زوجتي وقتَ أذانِ العِشاء ، فقلتُ لها ( أيش المسَدَّا المبَدَّا ؟ ) وهذا المَثَلُ تعوّدتُ أن أستَحضِرَهُ إذا تزَاحَمَ لديَّ خَياران أو أكثر في وقتٍ واحدٍ وتحتاجُ هذه الخَياراتُ لتفكيكٍ وتصنيفٍ حسَبَ الأهمية ، وذلك تَيَمُّنًا بمن عُرِفَ عنه هذا المثلُ رحمه الله في قريتي الحالمةِ بالجنوب ، فقالت : الصلاة ، قلت ( برافو) . واتّجه كلٌّ منا لمُصَلَّاه .

وعندما دَخلتُ المصَلّى الذي وصَلْتُ إليه عَبرَ ممراتٍ قادَتني يَمنةً مرّةً ويَسرةً مراتٍ إذْ غُمَّ على بوصلتي الذهنية فتُهتُ بين المشرق والمغرب ، ويبدو أنني وصلتُ مُبكِّرًا إذ لم أجدْ أحدًا في المصلّى ، بينما فرشُ ذلك المصلّى لا يوحِي بأيةِ علاماتٍ توضّحُ إتجاهَ القِبلةِ ولا توجدُ خطوطٌ للصفوفِ ، وليس له مِحراب .

حينها تذكَّرتُ بوصلةَ القبلةِ في تطبيقِ توكلنا فأعمَلتُها فأشارَت بإبرتِها المباركةِ حيثُ البيتِ العتيق ، فصلّيتُ وخرجْتُ إلى أحدِ الكوفيهات ، وبينما كنت أحتَسي مشروبي السِحريًّ المُفضَّلَ إذْ قَفَزَ إلى ذهني مفهومُ البوصلةِ الذهنيَّةِ وما تشيرُ إليه في حياتِنا العامة ، فشاغلتني نفسي على الكتابةِ عن بوصلةِ الحياةِ فقلتُ لعلّي أجدُ مُتَّسعًا من الوقتِ لاحقًا فأكتب عن بوصلتِنا كبَشَرٍ من واقعِ تجربتي الشخصيةِ بين طفولتي وبلوغِ أشُدّي ، وأيضًا مما رأيتُ عليه الناس ما بين قريبٍ وصديقٍ وزميلٍ وجارٍ وجَليس .

وها أنا في الهزيعِ الأخيرِ من الليلِ أكتبُ عن تلك البوصلةِ الذهنيةِ للإنسان .

فقد وجدْتُ أن الطفلَ والشابَ في العقودِ الأولى من أعمارِهم بوصلتَهم الذهنيةَ تشيرُ إلى المستقبلِ فكأنها على منصاتِ النواصي تومِئُ إلى الأمام ، فالتفكيرُ والتخطيطُ ينصَبّانِ على التسويفِ المستقبلي ( سوفَ أتعلم ، سوفَ أبحث عن وظيفة ، سوفَ أشتري سيارة ، سوفَ أساعد والدي ووالدتي وأخواني وأخواتي ، سوفَ أتزوج ، سوفَ أرَبّي أبنائي وبناتي تربيةً سَليمةً وصالحة ، سوفَ أشتري أرضًا وأبني بيتًا ، سوفَ أزوِّجَ أبنائي وبناتي ، سوفَ أتقاعدُ وأستَكينُ وأُرِيْحُ نفسي من عَناء الحياة ) .

ولكنه عندما يتجاوزُ الأربعين والخمسين تبدأُ البوصلةُ الذهنيةُ تتحركُ لأولِ مرَّة فتستيدير للوراءِ في جُلِّ وقتِها ، فيبدأُ الإنسانُ يستحضرُ حياةَ الماضي ، وتستهويه العاداتُ القديمةُ والفعالياتُ الماضية ، والقصائدُ العتيقة ، والأمثالُ القديمةُ التي لم يكُن يذكرُها قبل سِنِّ الأربعين ، وتستنطقُه جُدرانُ البيوتِ القديمةِ والسواني وأدواتُ الحَرثِ والرَيّ ، ويُكثِرُ من كلماتَ كان وكُنّا وكانوا ، وتكثُرُ عباراتُ ( الله يا زمن ، الله يسقي زمان ، ليت زمان البساطة يعود ) ويترنَّمُ البعضُ بقول الشاعر جرير :

لَيتَ الزمانَ لنا يعودُ بيُسرِهِ ..

إِنَّ اليَسيرَ بذا الزَمانِ عَسيرُ .

نعم .. إنها الحياةُ تبدأ بإندفاعٍ ولهَفٍ للمستقبلِ وتنتهي بأنْ يستديرَ الإنسانُ بجسمِه وذهنِه إلى الخلفِ وكأنه يودِّعُ كُلَّ ما خلفَه كضيفٍ يغادرُ منزلَ مُضيفِه مستديرًا وملوِّحًا له بيدِه ثم يَمضي .

دُمتم في عِنايةِ اللهِ وحِفظه .

← العودة للرئيسية